المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٦
قلنا: الإساءة إنّما استحقّ عليها العقاب من حيث كانت قبيحة، و القبح لا يختصّ بأحد، ألا ترى أنّ الإساءة لو لم تكن قبيحة لما استحقّ عليها الذمّ و العقاب. و بعد، فانّ العقاب قد يستحقّ على ما ليس بإساءة من القبائح، فيتوجّه حينئذ الكلام لأنّه لا وجه للتخصيص هناك.
شبهة من خالف في ذلك: أنّ وليّ الدم يستوفي القصاص، و هو حقّه، و هو عقوبة.
و الجواب عن ذلك أن نقول: لا نسلّم أنّ القصاص عقوبة مستحقّة، بل إنّما شرع لمصلحة منوطة به ظاهرة لنا، كحقن الدماء، أو خافية عنّا، كما في غيره من الشرعيّات، ثمّ و لو سلّمنا كونه عقوبة مستحقّة، فانّ استيفاء الوليّ ذلك لا يدلّ على أنّه حقّه كما أنّ استيفاء الإمام له لا يدلّ على أنّه حقّه، و كيف يستحقّ الوليّ لأنّ يعاقب القاتل و الجناية على غيره كانت، و إسقاط وليّ الدم القود و سقوطه بإسقاطه لا يدلّ على أنّه حقّه، لأنّ ذلك أيضا تابع للسمع و المصلحة الشرعيّة فيه، فإسقاط الوليّ يكشف عن تغيّر المصلحة في استيفائه، فلهذا يسقط بإسقاطه في الدنيا.
و إذ قد بيّنا استحقاق الثواب و العقاب، و الوجه في استحقاقهما و ما هو شرط فيه و طريق إليه، فلنتكلّم في دوامهما و انقطاع ما هو منقطع عنهما [١]، و ما هو طريق لنا إلى ذلك.
[١] م: منهما.