المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٥٦
ما ذكرناه، فإذا لم يفعلوا ما يجب عليهم في ذلك فقد أتوا من قبل نفوسهم في فوات لطفهم بالرئاسة، و يكون اللوم راجعا إليهم لا إليه تعالى، لأنّه و عزّ و جلّ يكون قد أزاح علتهم، و جرى ذلك مجرى من كلّفه اللّه سبحانه المعارف فلم يحصّلها. فغاية لطف المعارف أو من كلّفه الشرعيّات فأخلّ بها، ففاته لطف الشرعيّات في أنّه يكون قد أتى من قبل نفسه في فواته اللطفين.
[التعبد الشرعي طريق آخر لوجوبها]
دليل آخر: و ممّا يدلّ على وجوب نصب إمام معصوم بعد ورود الشرع بالاعتبار العقلي ما قد ثبت أنّ أمّة نبيّنا عليه السلام متعبّدون بشرعه من العبادات و العقود و المواريث و أحكام الجنايات، و لا شكّ في أنّ تفاصيل ما جاء به من الشرع في هذه الأقطاب الأربعة لم يعلم ضرورة، و لا يهتدي إليها بأدلة العقول، و ليس في نصوص الكتاب و السنّة المقطوع بها ما يدلّنا على جميع ما تعبّدنا به من شرعه، و كذا الإجماع من حيث أنّ عدمه ظاهر في أكثر الشريعة، إذ اختلاف الامّة في أكثر الشرعيّات ممّا لا يخفى، على أنّ الإجماع لو لم يشتمل على قول معصوم أو فعله إن كان إجماعا على فعل أو رضاه بالقول أو الفعل لم يكن دليلا، على ما سنبيّنه من بعد إن شاء اللّه تعالى.
و لو ادّعى أحد أنّ جميع أحكام الشرع مبيّنة في الكتاب أو السنّة كان جاحدا معاندا، إذ لو كان كذلك لما اختلف علماء الامّة فيما اختلفوا فيه من الشرعيّات. و لهذا فزع أكثر مخالفينا في الإمامة إلى القول بالقياس و الاجتهاد، و نشير إلى مسألتين ليظهر و يتّضح ما نقوله.
قال اللّه تعالى: «أَقِيمُوا الصَّلاةَ» [١] فنصّ على الصلاة و لم ينص في الكتاب و لا في السنّة المقطوع بها على كيفيّة الصلاة و تفصيلها المختلف فيها فيما بين الامّة، من القراءة و كيفيّتها، و التأمين عقيب قراءة الفاتحة، و التكفير أو
[١] البقرة: ٤٣ و ٨٣ و ١١٠.