المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٤
على انّه لا يمتنع أن يقال: إنّ فوت المنافع بفعل القبيح و الإخلال بالواجب يخرج من الإغراء، لأنّه يجري مجرى وصول الضرر إليه في الزجر. فأمّا تأخّر الثواب فهو بمنزلة تأخر العقاب، فإذا كان العقاب مع تأخّره يكون زاجرا، فكذلك فوات الثواب.
و قد أورد الشيخ أبو الحسين هذه الطريقة و اعترف بأنّها لا تدلّ على استحقاق العقاب من طريق العقل، و إنّما تدلّ على جواز استحقاقه. قال بعد أن أورد هذه الطريقة و حرّرها:
و اعلم أنّ هذه الأدلّة إنّما تدلّ على جواز استحقاق العقاب من طريق العقل لا على القطع على استحقاقه، لأنّ قائلا إن قال: أ يقطعون [١] من جهة العقل على أنّ العاصي إذا لم يتب وصلت إليه المضارّ فمن قولنا لا نقطع [٢] على ذلك، لتجويزنا التفضّل بالعفو، فاذن الصارف عن طاعة الشهوات هو تجويز وصول المضارّ إلينا، و هذا التجويز حاصل سواء قطعنا على استحقاق وصول العقاب أو جوّزناه [٣].
فبيّن أن تجويز استحقاق العقاب يكفي في الصرف عن متابعة الشهوات و مطاوعتها و اعترف به.
فإن قيل: أ ليس الخاطر المنبّه له على النظر يقول له: لا نأمن أن يكون لك صانع و أن تستحقّ العقاب منه بأن يفعل القبيح و يخلّ بالواجب. فإذا عرفته و عرفت أنّه يعاقبك على القبيح و الاخلال بالواجب، كنت أقرب إلى ترك القبيح و الامتناع منه و أبعد من الاخلال بالواجب، و هذا يبيّن أنّه بالعقل يعلم
[١] م: انقطعوا.
[٢] م: يقطع.
[٣] لا يوجد لدينا كتاب الغرر.