المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٠٤
تعالى يفعلها بهم، لأنّ معارفهم ضرورية، و الضروري لا يجب على أحدنا تحصيله، كأنّه لا يتعلّق بنا. و أمّا ما يرجع منه إلى اللسان فمن الجائز أن يكون لأهل الجنّة فيه لذّة و سرور، و معارفهم ضروريّة، و هم ملجئون إلى أن لا يفعلوا القبائح.
و ينبغي أن نبيّن أولا أنّهم يعرفون اللّه تعالى، ثمّ نتكلّم في صفة معرفتهم و نبيّن أنّها ضرورية.
و الذي يبيّن أنّهم يعرفونه تعالى، أنّ المثاب لا بدّ أن يعلم أنّ الثواب و اصل إليه على الوجه الذي استحقّه عليه، و لا يمكن أن يعلم ذلك إلّا مع كمال العقل و المعرفة به تعالى و حكمته ليعلم أنّ ما فعل به هو الذي استحقّه. و القول في المعاقب كالقول في المثاب، و أيضا فمن شرط الثواب أن يصل إلى مستحقّه مع الإعظام و الإكرام من فاعل الثواب، لأنّ الإعظام و الإكرام من غير فاعل الثواب لا يؤثّر فيه و الإعظام لا يعلم إلّا مع أن يعلم القصد إلى التعظيم و لا يعلم قصد من لا يعلم ذاته، فكذلك القول في العقاب و وصوله إلى مستحقّه على سبيل الاستخفاف و الإهانة، فثبت بهذه الجملة وجوب أن يعرفوا اللّه تعالى.
و إذا ثبت أنّه لا بدّ من أن يعرفوا اللّه، فلا يخلو من أن يعرفوه ضرورة، أو بفعلهم و اكتسابهم فإن عرفوه باكتسابهم المعرفة لم يخل من أن يكتسبوا المعرفة بالنظر في الدليل إمّا مختارين أو ملجئين، أو يكتسبوه عن تذكر نظر، أو بأن يبتدءوا بالمعرفة من غير نظر و تذكّر نظر.
و لا يجوز أن يعرفوه تعالى بنظر و استدلال، لأنّ ذلك يكون بتحمّل المشقّة في الفكر و النظر، و في ذلك عود لهم إلى التكليف الذي بيّنا أنّه زائل عنهم، و لأن المثابين لا يجوز أن يلحقهم مشقّة بوجه من الوجوه.
و لا يجوز أن يعرفوه بتذكّر نظر، على ما يقوله من يذهب الى أنّ العلم قد يحصل لا عن النظر، بل يذكره، لأنّ المتذكّر يجوز أن يدخل عليه شبهة، فيلزمه