المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٠٢
قلنا: قد قيل في ذلك وجهان، أحدهما: أن يبنيها اللّه بنية الأحياء المنفصلة، فتشهد بذلك، و ثانيهما: أن يخلق تعالى فيها الشهادة و يضيفها إليها.
و كلّ واحد من الوجهين مجاز، لأنّ الأوّل يقتضي أن اليد و الرجل خرجتا من كونهما يدا و رجلا من حيث بنيتا بنية حيين منفصلين، و الظاهر انّما هو إضافة الشهادة إلى الجوارح.
و الوجه الثاني فيه أنّ الشهادة من فعله تعالى، و ذلك يقتضي أن يكون الشاهد بتلك الشهادة هو اللّه تعالى [١]، و ذلك ينافي ما هو مفهوم من قوله: «يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ» [٢]، لأنّ المفهوم منه شهادة صاحب اللسان و غيرها من الجوارح.
و قد قيل أيضا: إنّ الشاهد انّما هو العاصي، فيشهد بما فعل [٣] و يقرّ به و يبني اللّه أعضائه بنية الكلام، أي بنية يصحّ بها الكلام. و يقوى هذا الوجه بما أشرنا إليه من أنّ الشهادة مضافة إلى اللسان و غيرها من الجوارح، و معلوم أنّ شهادة اللسان هي فعل صاحب اللسان، و كذا القول في باقي الجوارح، و هذا كما يقول أحدنا لغيره: أقرّ لسانك بكذا، و انّما المقرّ هو الحي دون اللسان.
و قد قيل: إنّ ذلك عبارة عن ظهور أمارات وضوح الأمر في لزوم الحجّة لهم و العلم بما فعلوه، فعبّر عن قوّة العلم بذلك بشهادة الجوارح، كما قالوا: عيناك تشهد بسهرك، و انّما يريدون ما قلناه.
و أمّا الصراط
، فقد قيل: إنّه طريق أهل الجنّة و النار المميّزة بينهم. و قيل:
إنّه جسر على جهنم، و أنّه أدقّ من الشعر و أحدّ من السيف، و أنّه يدفع الذين كانوا مكلّفين في الدنيا إلى المرور عليه، و أنّ المؤمن يمرّ عليه كالبرق الخاطف
[١] قوله: «و ذلك يقتضي ... إلى قوله: تعالى» ليس في (ج).
[٢] النور: ٢٤.
[٣] ج: فعل به.