المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٨٦
شيء [١]، و ليس في قوله عزّ و جلّ: «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ» ذكر ما يكون بالإضافة إليه أولا، و لا ذكر ما يكون بالإضافة إليه آخرا، فلا يمتنع أن يكون المضاف إليه ما ذكره المفسرون من أنّه أوّل في القدرة و السلطان، على ما قاله و حكاه صاحب الفائق [٢]، قال و قد ورد هذا من النبيّ عليه السلام حيث قال: «لو دليتم أحدا إلى الأرض السفلى لهبط على اللّه» [٣]، ثمّ تلا هذه الآية. و معنى هذا أنّ سلطانه شامل لأوّل الموجودات و آخرها.
و على أن أصحاب أبي هاشم بنوا تأويلهم على أنّ الوجود صفة زائدة على ذات الشيء، و نحن قد بيّنا أنّ الوجود و هو ذات الشيء و إذا كان كذلك لم يصحّ تأويلهم الذي ذكروه، لأنّ عندهم أنّه تعالى ليس بأوّل للذات في كونها ذوات و لا هو آخر لها في ذلك، لأنّ المعدوم عندهم ذات لم يزل و لا يزال.
و يمكن تأويل آخر لقوله تعالى «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ» أوضح من التأويلين، و هو أنّه عزّ و جلّ بالنظر الى الموجودات [٤] و ملاحظة تعلّق المسبّبات بأسبابها المترتّبة أوّلها إذ الموجودات كلّها مستفادة منه عزّ و جلّ بواسطة أو وسائط أو من دون واسطة أصلا، و ليس وجوده تعالى مستفادا من غيره، فهو أوّل الموجودات بهذا المعنى من غير ملاحظة عدمها في زمان أو تقديره، حتّى لو فرضنا أزليّة أفعاله على ما يقوله المبطلون من الفلاسفة، لما بطل كونه تعالى أوّلا بهذا المعنى، و بالنظر إلى مذهب التعليل و الاستدلال و كيفيّة سلوك الطريق إلى معرفته جلّ و عزّ هو آخر، إذ هو آخر ما ينتهي إليه التعليل و الاستدلال، و بيانه أنّك إذا نظرت إلى مسبب و علقته بسببه، و علّقت سببه ذلك بسبب آخر، و كذا حتّى
[١] م: شيء آخر.
[٢] لا يوجد لدينا كتاب الفائق.
[٣] لم نعثر عليه.
[٤] م: بالنظر إلى ترتيب الموجودات ذات.