المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٨٤
العقل يقضي بجواز عدم كلّ محدث، فيكون قاضيا بجواز عدم الجواهر بعد تحقّق حدوثها و عدمها لا يتصوّر إلّا بالضدّ بالبيان الذي سبق، قالوا: و إنّما قلنا بجواز عدم كلّ محدث، لأنّه لو لم يجز عدمه لكان واجب الوجود دائما، و ذلك يؤدّى إلى مماثلته تعالى.
و الجواب: إنّه لا يؤدي، لأنّه تعالى إنّما يخالف الموجودات الاخر بوجوب وجوده لا عن علّة و لا بالفاعل، بل لما هو عليه في ذاته أو لذاته، على الخلاف فيه، و الجواهر ليست كذلك، لأنّه و إن وجب استمرار وجودها بعد الوجود قد كان يجوز أن لا يوجد في الأول بأن لا يختار الفاعل إيجادها فلا توجد في الأوقات المستقبلة، فلا تكون مماثلة له تعالى.
تمسّكوا أيضا بأن قالوا: القديم تعالى قادر على الجواهر، و القادر على الشيء يجب أن يكون قادرا على ضدّه ليكون متحيّزا في فعله، فثبت أنّ للجواهر ضدّا يقدر عليه تبارك و تعالى.
و الجواب أن نقول: إنّما يجب في القادر على الشيء أن يكون قادرا على ضدّه إذا كان له ضدّ، فأمّا إذا لم يكن له ضدّ فكيف يجب أن يقدر عليه؟ ألا ترى أنّ في الأجناس ما لا ضدّ له كالاعتماد و التأليف و الألم، أمّا ما قالوه في تحيّز الفاعل فانّه يكفى فيه أن يقدر على أن يفعل و أن لا يفعل، لأنّ بذلك ينفصل من الموجب و من المضطرّ.
و أمّا أبو هاشم و أصحابه فانّهم يتمسّكون بأن يقولوا: قد علمنا بالإجماع و بالقرآن، أنّ اللّه تعالى يفتي العالم بما فيه من الجواهر و الأعراض، و معلوم أنّ الجواهر باقية، و أنّ الباقي لا ينتفي إلّا بضدّ أو ما يجرى مجراه، و أنّه ليس للجواهر ما يجري مجرى الضدّ.
قالوا: أمّا الإجماع فظاهر. و أمّا القرآن فقوله تعالى: «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ» [١]
[١] الحديد: ٣.