المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٨٣
عنده إنّما تبقى لأنّ فاعلها يحدثها وقتا بعد وقت، فإذا لم يحدثها عدمت.
و عن أبي الهذيل أنّه يفنيها بقوله: افني، كما يوجد الشيء بأن يقول له:
كن.
و عن بشر و أبي القاسم الكعبيّ أنّه يفنيها بأن لا يفعل لها البقاء.
و عن أبي الحسين الحنّاط أنّه يعدمها ابتداء كما أوجدها ابتداء، و يذهب إلى ان الإعدام مقدور كالإيجاد.
و ذهب أبو علي و أبو هاشم إلى أنّ الفناء معنى مضادّ للجواهر يوجده اللّه تعالى لا في محلّ فينتفي عند وجوده، كذلك سائر الجواهر كالبياض الواحد الذي يطر أعلى محلّ يصادف فيه سوادات كثيرة فانّه يفنيها كلّها. ثمّ اختلفا، فقال أبو على: طريق إثبات هذا المعنى العقل وحده، و قال أبو هاشم: طريق إثباته السمع و العقل، قال: لأنّه ليس في العقل ما يدلّ على جوازه و لا على إحالته، فإذا علمنا بالسمع أنّه ينتفي العالم بما فيه من الجواهر و الأعراض، و قد علمنا أنّ الباقي لا ينتفي إلّا بضدّه [١] أو ما يجرى مجراه، و علمنا أنّ الجواهر ليس له ما يجرى مجرى الضدّ، علمنا أنّ له ضدّا يوجده تعالى ينتفي عنده الجواهر، و سميناه فناء.
و لمّا وافق السيّد المرتضى أصحاب أبي هاشم في إثبات الكون معنى زائدا على الكائنيّة و لم يوافقهم في القطع على بقائه، بل توقّف و شكّ في بقاء الكون، توقّف أيضا و شكّ في إثبات الفناء معنى مضادّا للجواهر، و جوّز أن يكون انتفاء الجواهر بانتفاء الكون، بأن لا يفعل الفاعل الكون و ما سبق فعله له لانتفى [٢] فينتفي الجوهر لكون وجوده مضمّنا بوجود الكون.
و قد تمسّك أبو علي و أصحابه في إثبات الفناء من طريق العقل بأن قالوا:
[١] م: بضدّ.
[٢] م: لا ينفى.