المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٧٧
النكرة في النفي هي التي نعم، كقولك: ما في الدار رجل، فانّه يعمّ ذلك كلّ رجل، إذا تقرّر هذا فاللّه تعالى قد أنذر نارا منكرا و إن وصفها بالتلظّي ثم قال: «لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى» [١] و ليس يمتنع أن يكون في جهنم عدّة نيران من جملتها نار متلظّية «لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى* الَّذِي كَذَّبَ وَ تَوَلَّى» [٢] و الخوارج لا تقول: إنّ الفاسق الملّيّ مكذّب.
و منها: قوله تعالى: «وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ» [٣]، قالوا: و الفسّاق تحيط بهم جهنّم، فكانوا كفّارا.
و الجواب: إنّه ليس في قوله تعالى: «وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ» أنّها لا تحيط إلّا بالكافرين، كما أنّه ليس في قول القائل: إنّ هذه الدار محيطة بالأتراك أنّها لا تحيط بغيرهم.
و منها: قوله تعالى: «يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ* فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ ... الآية» [٤] و الفاسق يسوّد وجهه فيكون كافرا.
و الجواب: أنّ هذه القسمة لا تمنع من قسم آخر، و هو من لم يبيضّ وجهه و لم يسوّد، بل بقي على ما كان عليه أو تغيّر لا إلى السواد و هم الفسّاق. يوضّح ما ذكرناه أنّ الفاسق من أوّل تكليفه لا يقول الخوارج بأنّه كفر بعد إيمانه، فلا بدّ لهم أيضا من إثبات قسم آخر.
و منها: قوله عزّ و جلّ: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ* ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ* وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ* تَرْهَقُها قَتَرَةٌ* أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ» [٥] قالوا: فقسّم الناس قسمين، و معلوم أنّ الفاسق على وجهه غبرة، و ليس وجهه بمسفر، فوجب أن يكون من الكفرة، لأنّه تعالى حكم بأنّ من هذه سبيله يكون من الكفرة.
[١] الليل: ١٥.
[٢] الليل: ١٥- ١٦.
[٣] العنكبوت: ٥٤.
[٤] آل عمران: ١٠٥- ١٠٦.
[٥] عبس: ٣٨- ٤٢.