المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٦
و أمّا الثواب فانّه يستحقّ بما به يستحقّ المدح إقداما و احجاما عند حصول مشقّة فيه أو فيما يتصل به. و لو لا اعتبار المشقّة لما امتنع استحقاق الثواب على المنافع و اللذّات الخالصة. و خلاف ذلك معلوم و بعد، فالثواب في مقابلة ما لولاه لكان ظلما، و ذلك يبيّن حصول المشقّة فيه لا محالة. و أيضا لو لا اعتبار المشقّة لاستحقّ القديم تعالى الثواب إذا فعل الواجب و امتنع من القبيح كما يستحقّ المدح.
و الذي يدلّ على صحّة ما ذكرناه- من أنّ ما به يستحقّ المدح به يستحقّ الثواب إذا لحق المكلّف فيه أو فيما يتصل به مشقّة- هو أنّه تعالى جعل ما كلّفه المكلّف إقداما و إحجاما شاقّا عليه مع إمكان أن لا يجعله شاقّا عليه بأن يزيد في قواه أو يغنيه بالحسن من القبيح. فلو لا منفعة يستحقها المكلّف في مقابلة ما يلحقه من المشقّة في امتثال التكليف لما حسن منه تعالى التكليف و إلزام المشاق.
يوضح ما ذكرناه: أنّه لا فرق في العقول بين إلزام المشاقّ و بين إنزالها بالغير، فكما أنّ إنزالها من دون منفعة يقابلها يكون ظلما، فكذلك إلزامها من غير نفع يقابلها يكون ظلما، و لا بدّ في ذلك النفع من أن يكون عظيما وافرا حتى يحسن إلزام المشاقّ لأجله. ثمّ لا يخلو ذلك النفع من أن يكون مدحا أو عوضا أو ثوابا.
لا يجوز أن يكون مدحا، لأنّ المدح يستحقّ بفعل الواجب و ما له صفة الندب و الامتناع من القبيح أو ممّا الأولى الامتناع منه و إن لم يكن في شيء من ذلك مشقّة. و على هذا فانّه تعالى يستحقّ المدح بهذه الوجوه مع استحالة المشاق عليه. و إذا كان كذلك فلا يحسن إلزام المشاق لأجل المدح.
و بعد، فانّ المدح نفسه ليس ينفع، و إنّما ينتفع بالسرور الذي يتبعه، و ذلك السرور لا يبلغ الحدّ الذي يقابل ما في الطاعات من المشاقّ، و ذلك معلوم ضرورة.