المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٥٠
تكذيبهم في ادّعائهم أنّهم أبناء اللّه و أحبّائه، فكأنّه تعالى قال: إن كنتم صادقين في هذه الدعوى فلم يعذبكم بذنوبكم، مع أنّ الأب لا يعذّب الابن، و كذا الحبيب لا يعذب حبيبه، فإذا عذّبكم بأن عذّبكم في دعواكم هذه فلستم أبنائه و لا أحبائه، «بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ» أي من الخلق الذي يغفر لمن يشاء منهم و يعذب من يشاء منهم، و إذا رجع قوله: «يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ» الى من خلق لا إلى اليهود و النصارى بطل طعنه بما ذكره في كلامنا، و اللّه الموفق للصواب.
و وجه دلالة الآية الثانية أنّ اللّه تعالى أخبر أنّه يغفر للناس على ظلمهم، و ذلك يفيد في حال كونهم ظالمين، و يجري مجرى قول من يقول: لقيت زيدا على أكله، أي في حال أكله، و أودّه على قطيعته، أي في حال قطيعته و معها.
فإن شرطوا فيها التوبة قلنا: هذا إلحاق بالظاهر ما ليس فيه، لأنّه حال من اشترط التوبة، و وجه الدلالة في الآية الثالثة أنّها تقتضي بظاهرها أنّه عزّ و جلّ يغفر جميع الذنوب، لأن الذنوب لفظ الجمع و فيه الألف و اللام، و ذلك يقتضي الاستغراق عند المخالف، و إنّما أخرجنا الكفر بدليل الإجماع، و قوله تعالى عقيب هذه الآية «وَ أَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ» [١] كلام مستأنف لا يجب اشتراطه في الآية الأولى، لأن عطف ما يتصور كونه شرطا في المطلق على المطلق لا يوجب جعل المطلق مشروطا.
ألا ترى أنّ القائل إذا قال لعبده: الق زيدا، أو ادعه إليّ، ثمّ قال:
و اشتر اللحم، فانّ قوله: و اشتر اللحم يتصوّر أن يكون شرطا فيما أمره به أولا من لقاء زيد و دعائه، و مع ذلك لا يجب الحكم بأنّه شرط فيه.
فإن قيل: فهذا يقتضي الإغراء على الذنوب.
[١] الزمر: ٥٤.
المنقذ من التقليد ج٢ ١٥١ القول في حقيقة العفو و حسنه و سقوط العقاب به. ..... ص : ١٠٤