المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٥
الذي هو ضدّ ضدّه، و هكذا إلى أن ينتهي إلى كونه فاعلا لم يزل، و ذلك فاسد.
فإن قيل: لم قلتم إنّه لو وجب ذلك فينا لرجع إلى كوننا قادرين؟ و هلّا جاز أن يرجع ذلك إلى القدرة أو محلّها؟.
قلنا: لا خلاف في أنّ صحّة الفعل ترجع إلينا و إلى كوننا قادرين، و وجوب أن يفعل أحد مقدوريه حكم زائد على الصحّة، فوجب أن يرجع إلى من يرجع إليه الصحّة و هو القادر و كونه قادرا، و ذلك يوجب تساوي القادرين في ذلك.
على أنّه لو رجع الى القدرة لاستوى فيه المتولّد و المباشر، لأنّهما معا من مقدور القدرة و لو عاد الى المحلّ للزم أيضا ما قلناه، لأنّ محلّ القدرة قد يكون محلّا للمتولّد كما يكون محلّا للمباشر.
و أمّا الشكر فانّه يستحقّ بالنعمة، و هي إيصال النفع الحسن إلى الغير أو تعريضه له لغرض الإحسان إليه أو إزالة الضرر الخالص عنه و تخليصه منه ترفيها له و إحسانا إليه.
و قد ذكر فائدة اعتبار الحسن في تعريف النعمة و الأسئلة التي ترد على ذلك و أجوبتها في مواضع من الكتب، تركنا ذكرها هاهنا، لأنّ غرضنا في هذه المسألة لا يتعلّق بها و إنّما يستحقّ من المنعم عليه خاصّة.
و أمّا العبادة فانها تستحقّ على اصول النعم التي هي الحياة و القدرة و الشهوة و النفرة و كثير من المشتهيات و الحواس و الآلات. و ذلك لأنّ العبادة إنّما هي فعل غاية ما في وسع المنعم عليه من الشكر و التعظيم للمنعم، فانّما يستحقّ على من هو غاية و نهاية في النعمة و هي اصول النعم التي ذكرناها.
و أمّا العوض فانّه يستحقّ بالألم أو الغمّ الذي يصل إلى الحيوان من غير أن يستحقّه، و من غير أن يكون من فعله أو كأنّه من فعله، و بتفويت المنافع عن الغير الذي هي في حكم الحاصلة من قبل غير المفوّت. و إن شئت قلت: العوض يستحقّ بهذه الامور إذا وقعت استصلاحا أو ظلما.