المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٤٩
للعصاة، و كلّ آية من الآيات التي أوردها عامّة في أولئك العصاة على مذهبه، و إذا كان كذلك فالعامّ و الخاصّ باعتبار العصاة على العكس ممّا قدّره، لأنّ تلك الآيات هي العامّة، و قوله: «وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ» هو الخاصّ على ما بيناه، فتحقّق ما قيل: اقلب تصب.
ثمّ يقال له: و تأويلك الذي ذكرته يدفع [١] الفرق بين ما نفاه و بين ما أثبته، و بين الأعلى و الأدون، و ذلك لأنّه تعالى كما لم ينف غفران الشرك مطلقا، و انّما نفاه تفضّلا، كذلك لو نفى غفران هذه الكبائر لما كان نفاه مطلقا بل تفضّلا، فعلى [٢] تقدير قولك كأنّه تعالى قال: إنّ اللّه لا يغفر الشرك، و هذه الكبائر تفضّلا بل يغفرها استحقاقا، و إذا كان كذلك فإذا حملت قوله تعالى:
«وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ» على أنّه يغفر ممّا هو دون هذه الكبائر ما يقع صغيرا، و الصغيرة غفرانها مستحقّ لازم، فكأنّه تعالى قال: إنّ اللّه لا يغفر الشرك و هذه الكبائر إلّا بالاستحقاق، و يغفر ما دون ذلك بالاستحقاق. و هذا يرفع الفرق بين ما نفاه و أثبته و بين الأعلى و الأدون، على ما قلناه.
ثمّ قال: فأمّا قولهم: «إنّ تعليق ذلك بالمشيئة يقتضي أن يغفر ما دون الشرك تفضّلا» فغير صحيح، لأنّ اللّه تعالى قال: «وَ قالَتِ الْيَهُودُ وَ النَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَ أَحِبَّاؤُهُ، قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ» [٣] و معلوم أنّه لا يغفر لليهود و النصارى من غير توبة، فيقال له: إنّما كان لك فيما ذكرته و تلوته من الآية حجّة إن لو كان قوله تعالى:
«يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ» راجعا إلى اليهود و النصارى، و ليس كذلك، بل هو راجع إلى قوله عزّ و جلّ: «مِمَّنْ خَلَقَ»، و المقصود من الآية
[١] م: يرفع.
[٢] ج: على.
[٣] المائدة: ١٨.