المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٣٣
و أمّا استشهاده الثاني بقوله جلّ جلاله: «إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا» [١] فأضعف و أظهر فسادا من الأوّل، و لهذا لم يورد الآية بتمامها، بل وقف على قوله تعالى «و لئن زالتا»، ثمّ قال: الآية، و لو أوردها بتمامها لظهر لكلّ أحد فساد استشهاده، لأنّه تعالى قال: «وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً» فوصف نفسه بالحليم عقيب قوله: «يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ»، و نبّه بذلك على أنّه بسبب إمساكه السماوات و الأرض عن الحركة و الزوال و الاضطراب يستحق بأن يوصف بأنّه حليم، و إنّ هذا الصنيع ممّا يستحق به هذا الوصف و إنّ حلمه هو الذي يدعوه إلى ما ذكره، كقول القائل:
إنّ زيدا أنعم على عمرو بكذا و كذا، ثمّ قال: إنّه كان كريما، أي أنّ زيدا كان كريما، فانّه يفهم منه أنّ كرمه دعاه إلى ذلك، فأيّ حجّة له في هذا الاستشهاد.
فأمّا وصفه تعالى نفسه بالغفور بعد وصفه بالحليم فممّا لا حجّة له فيه أيضا، بل هو حجّة لنا عليه و دالّ على [٢] أنّه أراد بالغفور إسقاطه العقاب عن المستحقّين، لأنّه لو أراد به ما أراده بالحليم لكان لغوا و تكرارا لما ذكره و أفاده بالحليم.
فإن قال: ذكره للتأكيد.
قلنا: إنّ التأكيد إذا لم يفد فائدة زائدة على ما يفيده المؤكّد كان لغوا، و الكلام موضوع للإفادة، و بالإفادة يخرج من كونه عبثا.
فإن قال: فلما ذا وصف نفسه بعد ذلك بالغفور؟.
قلنا: إنّه تعالى يستحقّ الوصف بالغفور في كلّ حال، لإسقاطه العقاب
[١] فاطر: ٤١.
[٢] م: و ذلك.