المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٣٢
يسقط العقاب و إن عقبه بقوله: «لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ».
و بيانه: أنّه لو صرّح بما ذكرناه و قال: و ربّك يصفح و يعفو عن السيئات و يسقط عقاب المذنبين، ثمّ عقّبه بقوله: «لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ» [١] لم يكن ذلك تناقضا في القول و لا مستقبحا، و إنّما كان له في الآية حجّة أن لو قال تعالى: و لولاه أو لو لا ذلك، أي و لو لا كونه غفورا لعجّل لهم العذاب. فأمّا إذا قال: «لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ» فانّه لا يدلّ على أنّه أراد بالغفور الحليم على ما ادّعاه و إنّما يدلّ على أن العاصي يستحقّ العذاب عقيب عصيانه. فله تعالى أن يعجّل له العذاب.
على أنّه لو صرّح بما قدّرناه و قال: و لو لا كونه غفورا لعجّل لهم العذاب، لما دلّ مع ذلك أيضا على ما ادّعاه من أنّه أراد به كونه حليما و أنّه يؤخّر العقاب و لا يعجّله. بل كان من الجائز أن يريد به إسقاطه لعقوبتهم المقدار الذي استحقّوه عقيب عصيانهم في الدنيا إلى حين وقوع العقاب، و نزوله بهم في الآخرة، لأنّهم يستحقون العقاب عقيب المعصية، على ما قدّمناه إلى حدّ [٢] يعلمه تعالى عندنا و عندهم أبدا دائما لا إلى آخر. و بالاتفاق [٣] بيننا و بينهم ما يستحقّونه من العقاب يفرّق عليهم في الأوقات، فلهم نصيب و حظّ موظّف من العقاب معيّن في علمه تعالى في كل وقت.
فيمكن أن يقال: لعله تعالى أراد بقوله: و لو لا كونه غفورا لعجّل لهم العذاب أن لو قاله على ما فرضناه لو لا كونه مسقطا من عقابهم موظّفات الأوقات التي أخّر عنها عقابهم، أي لم يعاقبهم فيها لعجّل لهم العذاب بأن أوصل إليهم تلك الموظّفات.
[١] قوله: «فليس بصحيح ... الى قوله: لهم العذاب» سقط في (ج).
[٢] م: أمد.
[٣] م: باتفاق.