المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٢٨
و الثاني من الوجهين: أنّ قوله: «سَيِّئاتِكُمْ» يقع على الكبائر كوقوعه على الصغائر، و يشملهما جميعا، فصار هذا القول وعدا منه تعالى بأنّ مرتكب [١] الكبيرة إن اجتنبها في المستقبل غفر اللّه له ما سلف و سبق منها و كفّر كما قال:
«قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ» [٢].
فإن قيل: إنّه تعالى شرط المشيئة في غفران ما دون الشرك، و ذلك يقتضي إجمال القول في مغفرة ما دون الشرك، فلا يصحّ التمسّك به.
قلنا: المشيئة إنّما أدخلها تعالى فيمن يغفر له، لا فيما يغفر. فلا توقّف فيما يغفر تعالى ممّا هو دون الشرك و لا إجمال فيه، و انّما التوقّف فيمن يغفر له، و ذلك لا يضرّنا، لأنّا لا نقطع على تعيين من يغفر له اللّه تعالى، على أن ظاهر تعليق الغفران بالمشيّة يقتضي أنّه تفضّل و ليس بواجب، لأن الواجب لا تعلّق بالمشيئة، ألا ترى أنّ أحدنا [٣] لا يقول: أنا أردّ الوديعة أو أقضي الدين إن شئت، و انّما يقول: أنا أتصدّق و أتفضّل إن شئت.
و ذكر صاحب الفائق أنّ شيوخه قد أجابوا عن تمسّكنا بهذه الآية بأجوبة اعترضنا عليها.
قال: ثمّ أجابوا عن ذلك الاعتراض على ما سنذكرها، لكنّا نقدّم على ذلك تأويل الآية على معنى يسقط به جميع ما ذكروه، و هو أنّه ليس المراد بالمغفرة المذكورة في الآية هو إسقاط عقاب المستحقّ للعقاب فيصحّ ما بيّنتم عليه من وجوه الاستدلالات، و إنّما المراد بها تأخير العقاب المعجّل في الدنيا، و قد ذكر تعالى المغفرة بهذا المعنى في القرآن، قال تعالى: «وَ رَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ» [٤]، و قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ
[١] م: من يرتكب.
[٢] الأنفال: ٣٨.
[٣] م: أحدا.
[٤] الكهف: ٥٨.