المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٢٢
تعالى إيّانا، لأنّ الاستفهام إنّما هو طلب الفهم و العلم، و انّما يطلب العلم من لا يعلم الشيء الذي يطلب العلم به، و هذا فيه تعالى محال.
إذا تقرّر هذا: فالواجب أن ننازعهم في كون هذه الألفاظ مختصّة بالاستغراق في المجازات، لدخولها في خطابه تعالى على ما هو ثابت فيما تعلّقوا به من قوله عزّ و جلّ: «وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ» [١]، و «مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ» [٢]، و «مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» [٣]، و في ألفاظ الجموع بلام تعريف الجنس، و نطالبهم بالدلالة على صحّة ما ادّعوه فيها.
و قد استدلّوا على كون لفظ «من» و «ما» و أخواتهما مختصّة بالاستغراق في المجازاة بأنّ القائل: من دخل داري أكرمته أو أهنته أو أعطيته يحسن أن يستثنى كلّ عاقل من العقلاء و كلّ جمع من جموعهم من قوله ذلك، و الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته ألا ترى أنّه لا يحسن أن يستثنى من قوله بعض البهائم لمّا لم يدخل تحت لفظ «من» و طرّدوا هذه الطريقة في أخوات لفظ من و ما و متى و أين، و كذا طرّدوها في ألفاظ الجموع بلام التعريف، فأنّ من يقول:
أعط الرّجال أو القهم، يحسن أن يستثنى كلّ رجل و كلّ جمع من جموع الرجال من قوله ذلك، و لا يحسن أن يستثني بعض البهائم.
و الكلام على استدلالهم هذا هو أن يقال: غير مسلّم أنّ الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته، بل انّما يخرج منه ما لولاه لصحّ دخوله تحته، فانّما حسن استثناء كلّ عاقل أو كلّ جمع من العقلاء من قوله: من دخل داري أكرمته، و لم يحسن استثناء بعض البهائم، لصحّة دخول كلّ عاقل تحت لفظ «من» و عدم هذه الصحّة في البهائم باعتبار مواضعة أهل اللسان.
[١] النساء: ١٤، الجن: ٢٣.
[٢] النساء: ١٢٣.
[٣] الزلزلة: ٨.