المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٢
غير العارف بحقيقتهما عند [١] المتكلّمين أنّا نجيز خلوّ القادر من النفي و الإثبات المتقابلين، نظرا منه إلى معنى الترك في اللغة، إذ معناه فيها أن لا يفعل القادر ما كان له إليه داع عمّا قدر عليه.
فأقول: الترك و المتروك هما الضدّان اللذان يكون القادر عليهما واحدا، و يصحّ أن يفعل القادر كلّ واحد منهما بدلا من الآخر مبتدأ بالقدرة، اعتبرنا تضادّهما لاستحالة اجتماع الترك و المتروك، و أن يكون القادر عليهما واحدا [٢]، لأنّ زيدا لا يترك فعل عمرو، و اعتبرنا أن يصح من القادر عليهما وجود كلّ منهما بدلا من الآخر، ليكون. وقتهما واحدا، إذ لو تغاير وقتاهما لصحّ وجود كلّ واحد منهما في وقته، فيكون الشيء الواحد مفعولا متروكا، و اعتبرنا كون كلّ واحد منهما مبتدأ بالقدرة، لأنّ المتولّد لا يدخله الترك من حيث إنّ المتولّدات تنقسم إلى ما يقارن سببه كالتأليف و الألم و لا ضدّ لهما، و قد بيّنا أنّ من حقّ الترك و المتروك التضاد، و إلى ما يتراخى عن السبب، كالعلم المتولّد عن النظر و ما يتولّد عن الاعتماد، و ما هذه سبيله فانّه لا يجوز مع تقدّم سببه ان يترك ما [٣] يفعله ابتداءً، لأنّ مع تقدّم السبب يكون مسبّبه بالوقوع أولى ممّا يبتدى به القادر، فلا يصحّ كلّ واحد منهما بدلا من الآخر.
و إن ترك مسبّب للاعتماد بضدّ له متولد عن اعتماد آخر مكان الاعتماد الأوّل، لم يخل الاعتماد الآخر من أن يكون مساويا للاعتماد الأوّل أو زائدا عليه أو ناقصا عنه. فإن كان مساويا لم يتولّد عن أحدهما شيء فلا يكون ثمّ ترك و لا متروك، إذ كلا المسبّبين يبقيان معدومين، و إن زاد أحدهما على الآخر كان مسبّبه بالوجود أولى من مسبّب الآخر، فبطل بذلك ما اعتبرناه من
[١] م: إلى العارف بحقيقتهما عن.
[٢] قوله: «و يصحّ أن يفعل ... إلى قوله: عليهما واحدا» سقط في (ج).
[٣] م: يتركه بها.