المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١١٦
يقال فيمن خرج على السلطان و خلع طاعته و دافع عمّن يريد السلطان ضربه و حبسه و إيلامه و الإضرار به: إنّه ناصره. فظهر الفرق بين النصرة و الشفاعة.
و إنّما نفى جلّ جلاله في هذه الآية النصرة التي نفاها بقوله: «فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ الآية» [١]. ثمّ و لو سلّمنا لهم أنّ الشفاعة تسمّى نصرة حقيقة أو تجوّزا، كان لنا أن نقول ما قلناه في الآية الأولى من النزاع في صيغة العموم، و من أنّه لا بدّ لهم من المصير إلى تخصيص الآية.
و منها: قوله تعالى و تبارك: «وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى» [٢].
و الجواب أن نقول: المراد بقوله: «وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى» أن يشفع له. و هكذا نقول نحن، لأنّ عندنا أنّ الشافعين إلى اللّه تعالى من الملائكة و الأنبياء و المؤمنين لا يشفعون إلّا لمن أذن لهم ربّهم تعالى في أن يشفعوا له.
و الدليل عليه قوله تعالى: «مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ»، و قوله عزّ و جلّ:
«وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَرْضى» [٣].
و ليس لهم أن يقولوا: ظاهر الآية يقتضي خلاف ما ذكرتموه من حيث إنّه ليس في الآية إلّا لمن ارتضى أن يشفع له.
و يدلّ على ما نقول من أنّهم لا يشفعون إلّا لمن كان مرتضى عنده تعالى، و هو المطيع المستحق للثواب، إذ العاصي المستحقّ للعقاب لا يسمّى مرتضى، و ذلك لأنّ الرضا هو إرادة مخصوصة، فلا يتعلّق بنفس المشفوع لهم، و إنّما يتعلق بأفعاله و طاعاته. فعلى قولهم كأنه تعالى قال: لا يشفعون إلّا لمن ارتضى فعله و ايمانه. فلا بدّ لهم أيضا من الإضمار و العدول عن الظاهر. و إذا جاز لهم ذلك،
[١] القصص: ٨١.
[٢] الأنبياء: ٢٨.
[٣] النجم: ٢٦.