المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١١١
مصيب و لا منصف على أنّ خبر بريرة يسقط اعتبار الرتبة من الشفاعة جملة و من جميع الوجوه، لأنّه عليه السلام قال لها لمّا قالت: أ تأمرني بذلك: «إنّما أنا شافع» [١].
و ممّا يبيّن أنّ الرتبة غير معتبرة بين الشافع و المشفوع فيه [٢] أنّ الإنسان قد يكون شافعا في حاجة نفسه كما يكون شافعا في حاجة غيره، فلو كانت الرتبة معتبرة بين الشافع و المشفوع فيه لاستحال ذلك، من حيث إنّ الرتبة لا تدخل بين الإنسان و نفسه، فإن منعوا كون الإنسان شافعا في حاجة نفسه كابروا و عاندوا، لأنّ هذا في الاستعمال و التعارف أظهر من أن يخفى أو يحتاج الى بيان و إقامة دلالة عليه. و على هذا جاء الشرع بإثبات الشفعة لمن بينه من الشريك في الملك أو في طريقه أو الجار على اختلاف المذاهب فيها، و سمّي من له الشفعة و طالب بها شفيعا، مع أنّه إنّما يشفع و يسأل في حقّ نفسه لا في حقّ غيره.
فإن قالوا: إنّما لم نسمّ شافعين فيه عليه السلام إذا سألنا اللّه تعالى أن يزيد في كرامته، لأنّا لا نعلم كيف الحال في سؤالنا ذلك عنده تعالى، أ هو مقبول أم مردود؟.
قلنا: هذا أبعد من الأوّل، لأنّ نفي القبول لا يخرج الشفاعة من حقيقتها و لا يسلبها وقوع اسم الشفاعة عليها، كما لا يدخلها في ذلك كونها مقبولة، و على هذا يقال: شفاعة مقبولة و شفاعة مردودة.
فإن قالوا: إنّما لم نسمّ شافعين فيه عليه السلام من حيث إنّ الشفاعة إنّما تسمّى شفاعة، إذا جوّز أن يكون لها أثر بأن يحصل عندها من النفع للمشفوع فيه أو سقوط الضرر عنه ما لم يحصل بدونها، و معلوم أنّ جميع كرامات النبيّ
[١] سنن النسائي: ج ٨ ص ٢٤٧ كتاب القضاء، شفاعة الحاكم للحصوم قبل فصل الحكم.
[٢] «فيه» ليس في (ج).