المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٠٥
منع السّمع منه. و إنّما الذي يخالف في حسن ذلك من جهة العقل هو جعفر بن مبشّر و من ذهب مذهبه من معتزلة بغداد، كالبلخيّ و أصحابه.
و الذي يدلّ على صحّة ما ذهبنا إليه هو أنّ العقاب حقّ للّه تعالى، إليه قبضه و استيفاؤه ينتفع من يستحقّه تعالى عليه بإسقاطه عنه، و ليس في إسقاطه وجه قبح، فيحسن منه تعالى إسقاطه، و يسقط بإسقاطه، كالدين الذي يكون للبالغ العاقل على الغير، فانّه يسقط بإسقاطه لاجتماع هذه الأوصاف فيه، و هي كونه حقّا له و إليه قبضه و استيفاؤه و انتفاع المديون بإسقاطه عنه.
فإن قيل: أ ليس ذمّ العقلاء الفاعل للقبيح حقّا لهم؟ و لهم أن يفعلوه؟
و المذموم يستضرّ به و ينتفع بسقوطه عنه، و مع ذلك لا يسقط بإسقاطهم؟.
قلنا: قد تحرّز من استدلّ بهذه الطريقة من المتقدّمين عن ذلك، بأن اعتبر في الدليل و ليس في إسقاطه حقّ الغير هو الأصل، و الذمّ لو سقط عن فاعل القبيح أسقط العقاب، و هو حقّ للّه تعالى، هو الأصل.
فإن قيل: فكذلك إذا أسقط اللّه تعالى العقاب تبعه سقوط الذمّ، و هو حقّ العقلاء.
قالوا: الذمّ تابع للعقاب، و ليس هو الأصل، بل العقاب هو الأصل، و يجوز إسقاط الحقّ و إن تبعه إسقاط حقّ الغير إذا كان تابعا له و مترتّبا عليه. و لا يجوز إسقاط حقّ يتبعه سقوط حقّ آخر هو الأصل.
قال أبو الحسين البصري: الأولى أن يجاب عن أصل السؤال فيقال: إنّ الذمّ ليس هو حقّا لأنّه قول ينبئ عن اتّضاع حال الغير فهو جار مجرى الخبر الصدق، فكما لا يقبح أن يخبر الإنسان عن فاعل القبيح بأنّه فاعل القبيح، و عن الطويل بأنّه طويل، و لا يجوز إسقاط حسن ذلك، فكذلك الذمّ.
و لكنّه يمكن أن يقال: كيف نقول لا يجوز إسقاط حسن ذلك، و معلوم أنّ اللّه تعالى لو عفى عن العاصي لما حسن ذمّه؟.