المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٠
فعل؟ قال: لم يردّ الوديعة أو لم يقض الدين. ثمّ يقال لهم كما يقال في المخلّ بالواجب انّه ظالم عاص، كذلك يقال في فاعل القبيح من الظلم أو الكذب أو العبث إنّه مخلّ بالواجب و أنّه لم ينصف و لم يعدل، فلئن دلّ ما ذكروه على أنّ المخلّ بالواجب إنّما يذمّ على فعل صدر منه فليدلّ ما ذكرناه على أنّ فاعل القبيح إنّما يذمّ على إخلاله بالواجب.
و منها: الزامهم لنا أن يستحقّ تعالى من المدح ما لا نهاية له، لأنّه تعالى لا يفعل من القبيح ما يقدر عليه، و ذلك بلا نهاية. و كذلك الواحد منّا إذا لم يفعل الجهالات المختلفة التي يقدر عليها، و هي بلا نهاية، وجب أن يستحقّ من المدح ما لا نهاية له!
فنقول لهم في الجواب: إن عنيتم بما ذكرتم من الإلزام استحقاقه تعالى لأن يمدح على أنّه لا يفعل شيئا ممّا يقدر عليه من القبائح، فهو ممّا نلتزمه، إذ هو جلّ و عزّ ممدوح بذلك. و إن عنيتم إلزامنا أن نمدحه بمدائح لا نهاية لها، فهو غير لازم، لأنّ ما ذكرناه من مدحه على أنّه لا يفعل شيئا ممّا يقدر عليه من القبائح كاف في مدحه في ذلك.
و هذا نظير لما نقوله بالاتفاق إذا الزمنا على قولنا بوجوب أن نشكره على جميع نعمه، كيف يمكنكم شكره على جميع نعمه، و أنتم لا تتمكنون من شكره إلّا بنعم تتجدّد من جهته تعالى، كتحريك الشريانات و العروق الضوارب و إيصال الأغذية إلى الأطراف و الأعضاء ظاهرا و باطنا التي بها تبقون أحياء قادرين، و كخلق الحياة و القدرة فيكم لحظة فلحظة على التوالي إن كانتا غير باقيتين، فيلزمكم إذا شكرتموه على ما سبق من نعمه عليكم أن تشكروه على النعم التي باعتبارها تمكّنتم من شكره، و إذا شكرتموه عليها يلزمكم أن تشكروه على ما به تمكّنتم من الشكر الثاني من النعم، و إذا شكرتموه على تلك النعم أيضا يلزمكم أن تشكروه على النعم التي تمكّنتم من الشكر الثالث،