فقه المصارف و النقود - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٦٠ - الإرادة الظاهريّة و الجدّية في المعاملات
يميل إلى النزعة الظاهريّة، أي أنّ الأوّل يجعل المدار على الإرادة الباطنية، و الثاني على الظاهر.
و يستدلّ للقول الثاني بأنّه إذا بنى على الإرادة الباطنيّة من دون أي موضوعيّة للظاهر فحينئذٍ لا ثوابت في التعامل الظاهري، مع أنّ الضرورة قاضية بجعل ثوابت منضبطة معيّنة و لا يتوهّم أنّ هذا الدليل هو بلحاظ مقام التخاصم و النزاع و الاختلاف، فإنّ ذلك مقام آخر يُفصَل بالطرق المقرّرة في القضاء، بل البحث في مقوّمات وجود المعاملة و مدى موضوعيّة الظواهر في ذلك؛ إذ بالظواهر تتقرّر الثوابت للتعامل و بدونها لا ينضبط التعامل و التعاقد الإنشائي، ثمّ إنّ السنهوري يختار قولًا وسطاً بكون المدار على كلّ منهما معاً.
ثمّ إنّ تنقيح الحال في كيفيّة الإرادة الجدّية في الإنشاء يتمّ باستعراض الأقوال في حقيقة الإنشاء، و أبرزهما مسلكان:
الأوّل: قول المشهور من أنّ الإنشاء إيجاد للمعنى باللفظ.
الثاني: إنّ الإنشاء إبراز للمعنى في الذهن و الحكاية عمّا في الضمير، و قد ذهب إلى ذلك المحقّق النهاوندي في تشريح الاصول، و المحقّق العراقي و السيّد الخوئي.
فالإنشاء لديهم ليس علّة لإيجاد المعنى المُنشَإ؛ إذ المنشأ ليس موجوداً تكوينيّاً، بل اعتباريّاً، و لا يكون الإنشاء منزّلًا منزلة العلّة التكوينيّة؛ لأنّه لا أثر لذلك التنزيل، فعلى هذا المسلك الإرادة الجدّية المتعلّقة بالإبراز و المتعلّقة بالمبْرَز موجودتان.
و أمّا على المسلك المشهور، فالإرادة الجدّية بالمنشإ و بنفس التلفّظ بالإنشاء موجودة، غاية الأمر الإرادة المتعلّقة بنفس التلفّظ ممهّدة للإرادة المتعلّقة بالمنشإ، فإذا كان المتكلّم يقدم على التلفّظ بالإنشاء أو إبراز الإرادة، فهذا الإقدام لا محالة جدّي، و إلّا لم يصدر منه التلفّظ و الإبراز، كما لا ريب في أنّ الإرادة الجدّية بالتلفّظ و الإبراز معلولة و وليدة الإرادة الجدّية المتعلّقة بالمبرز و المنشأ، فإنّ المتكلّم في نفسه يريد المنشأ أوّلًا أو يريد المبرَز- كالبيع- و من ثمّ يريد إنشاءه أو إبرازه.