الحج في الشريعة الإسلامية الغراء - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٧٤ - المسألة ٢٩ إذا تلف بعد تمام الأعمال مئونة عوده إلى وطنه
..........
أمّا الأوّل: فلأنّ الاستطاعة قد جاءت في الآية الشريفة، و قد قلنا إنّ تقييد وجوب الحجّ فيها بالاستطاعة مع أنّ التكاليف كلّها مشروطة بها دليل على أنّ القدرة المأخوذة في وجوب الحجّ غير القدرة المأخوذة في الوضوء و الصلاة و غيرهما عقلا، فهي في غير الحجّ عقلية محضة و فيه شرعية، فلذلك لا يجب الحج عن طريق الخدمة للغير لأنّها تحصّل قدرة عقلية و ليست بشرعية.
فإذا قيل: أيّها الناس- و هم متفرقون في أقطار العالم- من استطاع إلى الحجّ فليرحل فلا يفهم منه إلّا من استطاع على الذهاب و الإقامة في مكة لأداء المناسك و الإياب، فمئونة الإياب أيضا مأخوذة فيها عند العرف، فالقول بأنّ مئونة الإياب غير مأخوذة فيها و إنّما قيل بها لأجل رفع الحرج كما ترى.
و أمّا الاستدلال بعدم الأخذ بأنّ من قدر على الحجّ ذهابا و لم يكن له رغبة بالرجوع إلى الوطن يجب عليه الحجّ، فضعيف جدّا، لأنّ الفرد النادر لا يكون دليلا على أغلب الأفراد مضافا إلى الفرق بينه و بين غيره، فإنّ الاستطاعة تقدّر بقدر الحاجة، فإذا كان مقصده ابتداء و نهاية هو الإقامة في مكة، فلا معنى لاعتبار ما زاد عليه، بخلاف من يحاول الرجوع إلى الوطن.
و أمّا الثاني: أعني الاستدلال بمن تلف ماله في أثناء الرجوع أو مرض مرضا شديدا فهو من جزئيات هذه المسألة، فالقائل بعدم الوجوب يقول به في هذه المسألة أيضا، إلّا إذا مرض قريبا من وطنه على نحو لا يخرجه عن الاستطاعة البدنية عرفا.
و أمّا الثالث- أي سكوت النصوص-: فلو تم ذلك لم يكن فرق بين زوال الاستطاعة بعد زوال الأعمال و في أثنائها و قبلها لاشتراك الجميع فيما ذكرنا.
و أمّا الرابع: فالاستدلال أشبه بالقياس مع الفارق فإنّ الزائر في المقيس