الحج في الشريعة الإسلامية الغراء - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦١٤ - المسألة ٨ إذا نذر أن يحجّ و لم يقيّده بزمان
قلت: التحقيق أنّ جميع الواجبات الإلهيّة ديون للّه تعالى، سواء كانت مالا أو عملا ماليّا أو عملا غير ماليّ، فالصلاة و الصوم أيضا ديون للّه و لهما جهة وضع، فذمّة المكلّف مشغولة بهما. و لذا يجب قضاؤهما فإنّ القاضي يفرغ ذمّة نفسه أو ذمّة الميّت، و ليس القضاء من باب التوبة، أو من باب الكفّارة، بل هو إتيان لما كانت الذمّة مشغولة به، و لا فرق بين كون الاشتغال بالمال أو بالعمل، بل مثل قوله: «للّه عليّ أن أعطي زيدا درهما» دين إلهيّ لا خلقيّ. فلا يكون الناذر مديونا لزيد بل هو مديون للّه بدفع الدرهم لزيد، و لا فرق بينه و بين أن يقول: «للّه عليّ أن أحجّ أو أن أصلّي ركعتين»، فالكلّ دين اللّه، و دين اللّه أحقّ أن يقضى، كما في بعض الأخبار، و لازم هذا كون الجميع من الأصل. نعم إذا كان الوجوب على وجه لا يقبل بقاء شغل الذمّة به بعد فوته لا يجب قضاؤه، لا بالنسبة إلى نفس من وجب عليه، و لا بعد موته. سواء كان مالا أو عملا، مثل وجوب إعطاء الطعام لمن يموت من الجوع عام المجاعة، فإنّه لو لم يعطه حتّى مات لا يجب عليه و لا على وارثه القضاء، لأنّ الواجب إنّما هو حفظ النفس المحترمة، و هذا لا يقبل البقاء بعد فوته. و كما في نفقة الأرحام فإنّه لو ترك الإنفاق عليهم- مع تمكّنه- لا يصير دينا عليه، لأنّ الواجب سدّ الخلّة، و إذا فات لا يتدارك.
فتحصّل: أنّ مقتضى القاعدة في الحجّ النذريّ إذا تمكّن و ترك حتّى مات وجوب قضائه من الأصل، لأنّه دين إلهيّ. إلّا أن يقال بانصراف الدين عن مثل هذه الواجبات. و هو محلّ منع، بل دين اللّه أحقّ أن يقضى. (١)*
(١)* ثمّ إنّ المصنّف وسّع نظرية صاحب الجواهر إلى عامّة الواجبات، فجعل