الشافی فی الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٤٠٩ - القول الثالث
الناس و يعرف قربه من أهل البيت علِیهم السلام يرجّح له استقبال الحتوف١ و تحمّل المضارّ البالغة حدّ الشهادة في سبيل اللّه، بل قد يجب له إذا كان ترك ذلك ضرراً على الدين و مفسدةً للحقّ و تزلزلاً في أركان الإسلام.
ففي مثل عصر بني أميّة و لا سيّما البرهة المظلمة التي كانت في زمن معاوية بعد شهادة أمير المؤمنين علِیه السلام و ما شاكله الذي أراد المشركون و بقيّة الأحزاب الجاهليّة و أغصان الشجرة الخبيثة الملعونة في القرآن، ليطفؤا نور اللّه بأفواههم و يأبى اللّه إلّا أن يتمّ نوره و جهدوا في إخفاء فضل أوصياء رسول اللّه صلِّی الله علِیه و آله و سلّم لينقلب الناس على أعقابهم خاسرين. ففي مثل هذه الأعصار لم يكن بدّاً من رجال يقومون بالحقّ و يتركون التقيّة و يظهرون آيات اللّه و بيّناته.
و لو لا مجاهدة هؤلاء بأموالهم و أنفسهم، أوشك أن لا يبقى من الإسلام إلّا اسمه و لا من القرآن و صاحبه الذي لا يفارقه إلّا رسمه و ذكره؛ فكانوا هم الحلقة الواسطة بين الجيل الماضي و الجيل الآتي من المهاجرين و الأنصار و الذين اتّبعوهم بإحسان. و لو لا جهاد أمثال حجر و ميثم و عمرو بن الحمق و عبد اللّه بن عفيف و عبد اللّه بن يقطر و سعيد بن جبير، لاندرست آثار النبوّة و آثار الأئمّة الطاهرين من أهل بيته علِیهم السلام لغلبته الباطل على أجواء الحكومة الإسلاميّة و ركوب رقاب الناس بالظلم و العدوان و سيطرته على مراكز الدعوة و الناس على دين ملوكهم.
و لا يختصّ بتلك الأعصار، بل كلّ زمان كان الأمر فيه مثل عصر الأمويّين و أشباههم، كان الحكم فيه هو الحكم فيه من دون أيّ تفاوت. و أمّا في الأعصار المتأخّرة، كعصر الصادقين و الرضا علِیهم السلام و ما ضاهاه الذي لم يكن الأمر بتلك المثابة، كان الأولى فيه ارتكاب التقيّة، كما يظهر من كثير من أحاديث الباب، إلّا في موارد تستثنى. فإذن لا يبقى تعارض بين الأحاديث المرويّة عن أمير المؤمنين علِیه السلام الإمرة بترك التقيّة في العصر المتّصل بزمانه
١. أي: الموت.