الشافی فی الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ١٥٤ - المقصود من الکذب الهزلي
أقول: کلامه رحمه الله متين.
الإشکال الثالث (إنصراف المطلقات عن الکذب في مقام الهزل)
إنّ الظاهر أنّ الأخبار المطلقة منصرفة عن الكذب في مقام الهزل و إن فرض الإخبار بالواقع لهذا الغرض، لكن مع قيام قرينة حاليّة أو مقاليّة شاهدة على الهزل، كما لو كان المجلس من المجالس التي أعدّت له. بل لا يبعد الإنصراف عن أخبار غير مفيدة، كما لو أخبر بخلاف واقع واضح لا يؤثّر في المخاطب شيئاً؛ كالإخبار ببرودة النار و حرارة الثلج.
و بناءً على انصراف الأخبار عن الهزل لا يمكن إثبات حرمته بما وردت في الكذب هزلاً؛ فإنّها و إن كانت مستفيضةً، فلا ينظر إلى ضعف أسنادها مع أنّ بعضها لا يخلو من حسن؛ كرواية الأصبغ؛ لكن فيها ما لا تدلّ على الحرمة: كرواية الأصبغ و الحارث الأعور؛ بل مرسلة سيف بن عميرة؛ فإنّ قول عليّ بن الحسين علِیه السلام على ما في الرواية لولده في مقام النصيحة لتهذيبهم عن الذمائم لا يدلّ على التحريم مع أنّ في مادّة التقوى أيضاً إشعاراً بعدمه، فلا يبعد أن يكون الأمر لمجرّد الرجحان.
بل يمكن الخدشة في دلالة رواية أبي ذرّ و فيها: "يَا أَبَا ذَرٍّ وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ، فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَه"١. فإنّ إنشاء الويل أعمّ من التحريم و لو سلّمت دلالتها، فلا تصلح لإثبات الحكم؛ لضعفها سيّما في مثل المقام الذي ادّعى الأعلام السيرة على ارتكابه كما لا تبعد. فالأقوى عدم الحرمة في الهزل مع قيام القرينة. و لا يخلو عدمها
١. الأمالي (الطوسي): ٥٢٥ - ٥٣٧، ح ١. و جاء فيه: حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ رحمه الله [إماميّ ثقة] قَالَ: أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ [معتبر] عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ [محمّد بن عبد الله أبو المفضّل الشيباني: ضعيف] قَالَ: حَدَّثَنَا رَجَاءُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْحُسَيْنِ الْعَبَرْتَائِيُّ الْكَاتِبُ [إماميّ لم تثبت وثاقته] سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَ ثَلَاثِ مِائَةٍ وَ فِيهَا مَاتَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَمُّونٍ [واقفيّ ثمّ غلا] قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأصمّ [ضعيف غال] عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ [النهدي: إماميّ ثقة من أصحاب الإجماع] عَنْ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ذُبَيٍّ الْهُنَائِيِّ [مهمل] قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَرْبِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ [مهمل] عَنْ أَبِيهِ أَبِي الْأَسْوَدِ [ظالم أبو الأسود الدؤلي: مهمل] قَالَ: قَدِمْتُ الرَّبَذَةَ فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي ذَرٍّ جُنْدَبِ بْنِ جُنَادَةَ فَحَدَّثَنِي أَبُو ذَرٍّ، قَال: ... فَقَالَ: .... (هذه الرواية مسندة و ضعيفة؛ لوجود الرواة المهملين و الضعاف في سندها).