الشافی فی الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٩٩ - الدليل الثاني القاعدة العقليّة
عمّار و ابتلائه بالمشركين و الحكاية لرسول الله صلِّی الله علِیه و آله و سلّم١ عدم لزوم التورية"٢.
بعض مصاديق التورية الواجبة في اليمين الکاذبة
المصداق الأوّل
من كان عنده وديعة لمؤمن، فطالبه بها ظالم، فلينكرها. و إن استحلفه على ذلك، فليحلف و يورّي في نفسه ما يخرجه عن كونه كاذباً و ليس عليه كفّارة؛ بل له فيه أجر كبير. و إن لم يكن ممّن يحسن التورية و كانت نيّته حفظ الأمانة، لم يكن عليه شيء أيضاً٣.
أقول: هذه العبارة لا تدلّ علي وجوب التورية في اليمين الکاذبة؛ بل غاية ما تدلّ عليه، رجحان التورية عند الاضطرار إلي الحلف. و يشعر بذلك قوله رحمه الله "و إن لم يكن ممّن يحسن التورية... لم يكن عليه شيء أيضاً" لأنّ التورية لو کانت واجبةً، لوجب تعليمه و تعلّمه و لا دليل عليه. و بذلك يعلم أنّ التورية ليست واجبةً أصلاً، بل في مقام الاضطرار إلي الحلف لو يحسن التورية يرجّح التورية، لخروج الحلف عن حقيقته، حيث قلنا إنّه يلزم في تحقق الحلف أمور: منها الإرادة الجدّيّة و بعد فقدان ذلك لا يتحقّق الحلف أصلاً.
دليل المصداق الأوّل
إنّ حفظ الوديعة لمّا كان واجباً و توقّف على اليمين، وجبت٤ من باب المقدّمة. و إنّما
١. مَا رَوَاهُ الْخَاصَّةُ وَ الْعَامَّةُ أَنّ أُنَاساً مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فُتِنُوا فَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِيهِ وَ كَانَ فِيهِمْ مَنْ أُكْرِهَ فَأَجْرَى كَلِمَةَ الْكُفْرِ عَلَى لِسَانِهِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ بِقَلْبِهِ مُصِرّاً عَلَى الْإِيمَانِ مِنْهُمْ عَمَّارٌ وَ أَبَوَاهُ يَاسِرٌ وَ سُمَيَّةُ وَ صُهَيْبٌ وَ بِلَالٌ وَ خَبَّابٌ وَ سَالِمٌ عُذِّبُوا وَ أَمَّا سُمَيَّةُ فَقَدْ رُبِطَتْ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ وَ وُجِئَتْ [وجأه باليد و السكّين: ضربه] فِي قُبُلِهَا بِحَرْبَةٍ وَ قَالُوا: إِنَّكِ أَسْلَمْتِ مِنْ أَجْلِ الرِّجَالِ فَقُتِلَتْ وَ قُتِلَ يَاسِرٌ وَ هُمَا أَوَّلُ قَتِيلَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ. وَ أَمَّا عَمَّارٌ فَقَدْ أَعْطَاهُمْ مَا أَرَادُوا بِلِسَانِهِ مُكْرَهاً، فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ عَمَّاراً كَفَرَ. فَقَالَ: كَلَّا، إِنَّ عَمَّاراً مُلِئَ إِيمَاناً مِنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمِهِ وَ اخْتَلَطَ الْإِيمَانُ بِلَحْمِهِ وَ دَمِهِ، فَأَتَى عَمَّارٌ رَسُولَ اللَّهِ صلِّی الله علِیه و آله و سلّم وَ هُوَ يَبْكِي، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلِّی الله علِیه و آله و سلّم يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ يَقُولُ: "مَا لَكَ! إِنْ عَادُوا لَكَ فَعُدْ لَهُمْ بِمَا قُلْتَ". بحار الأنوار٢٩: ٤٠٥. راجع: التبيان في تفسير القرآن٦: ٤٢٨.
٢. جامع المدارك٥: ٦٦.
٣. النهاية: ٥٥٩. و مثله في غنية النزوع: ٢٨٣ و رياض المسائل (ط. ج)٩: ٤٢٩ و ... .
٤. الحلف التورية.