الشافی فی الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٧٧ - إشکال في الدليل
المعنى الذي قد استعمل اللفظ فيه و إن لم ينصب قرينةً عليه؛ فاتّضح أنّه لم يظهر بكلامه إظهاراً قصديّاً خلاف الواقع، بل ما يطابق الواقع.
و أمّا دعوى لغوية تحريم الكذب إذا لم تكن التورية كذباً، فمدفوعة بأنّه سدّ لباب الحيل الشرعيّة المجوّزة قطعاً؛ فالاشتراك في الفائدة لا يستلزم الاشتراك في المفسدة، حتّى يكون كلاهما محرّماً.
نعم، إذا قلنا بأنّ جهة حرمته هي جهة قبحه عقلاً و هو الإغراء بالجهل و التورية إغراء بالجهل كالكذب، فتحرم التورية، لاتّحاد الملاك و إن لم تكن كذباً موضوعاً. إلّا أنّه فيه، أوّلاً: إنّ المشهور يقولون بحرمة الكذب بعنوانه و لو لم يلزم إغراء بالجهل، كما إذا كان المخاطب عالماً بكذبه، فإنّه لا إغراء بالجهل من قبل هذا الكلام و قد عرفت أنّ التورية ليست كذباً بعنوانه.
و ثانياً: بأنّ الإغراء بالجهل لا يستند إلى المتكلّم، بل إلى تخيّل المخاطب خلاف ما قصده المتكلّم من كلامه.
و ثالثاً: لو استند الإغراء بالجهل إلى المتكلّم، فهو باعتبار عدم نصب القرينة على ما قصده من اللفظ، لا باعتبار كلامه المستعمل فيما يطابق الواقع، فليس الكلام الملقى إلى المخاطب كذباً ذاتاً و لا ملاكاً"١.
يلاحظ عليه، أوّلاً: أنّ فهم المعني من کلام المتکلّم عرفيّ لا بدّ من مراجعة العرف و بناء العقلاء، مع أنّ الشارع ليس له طريقة أخري. و ظاهر القرآن و الروايات و کلّ کلام متکلّم حجّة، إلّا أن يدلّ دليل علي خلافه من القرائن الحاليّة أو المقاليّة المتّصلة أو المنفصلة. و إلّا لميستقرّ حجر علي حجر؛ إذ لکلّ کلام توجيه لا يقبله العرف و هو المعيار عنده.
و ثانياً: أنّ الحيل الشرعيّة إذا دلّ الدليل المعتبر عليها فتصحّ لوجود الدليل. و أمّا مع عدم الدليل، فلا تصحّ قطعاً. و العمدة أنّ العرف و بناء العقلاء هم المعيار في مقام التفهيم و التفهّم.
١. حاشية المکاسب (ط. ج)٢: ٤٣ - ٤٤.