الشافی فی الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٥١ - الدفع الثاني
ينفكّ عنه، فيكون في موارد مزاحمته مع ما هو أقبح منه باقياً على قبحه و إن جاز أو لزم ارتكابه لاختيار العقل أقلّ القبيحين. و أن يكون مقتضياً له بمعنى أنّ فيه اقتضاءه و يؤثّر ذلك في القبح إلّا أن يمنعه مانع عن فعليّته، كاقتضاء النار للإحراق، فلا ينافي ذلك الإقتضاء عدم التأثير فعلاً. فعليه لا يكون الكذب المنجي للمؤمن من الهلكة قبيحاً فعلاً و معنى كونه مقتضياً أنّه لو لا ذلك المانع لصار فعليّاً، فحينئذٍ يكون الكذب مزاحاً و في موارد لا يترتّب عليه صلاح و لا فساد قبيحاً لاقتضائه الذاتيّ و فقدان ما يمنعه عن الفعليّة. و أن يكون لا اقتضاء ذاتاً و يكون قبحه و حسنه بالوجوه و الإعتبار و عروض جهات مقبّحة أو محسّنة. و هذا هو المراد من كون القبح بالوجوه و الإعتبار١ و الظاهر أنّ هذا الإحتمال أضعف الإحتمالات؛ فإنّ العقل يدرك قبحه في نفسه، فيرى الكذب الذي لا يترتّب عليه مفسدة و مصلحة قبيحاً له حزازة بلا شبهة. و إنّما الكلام في الإحتمالين الآخرين و لا يبعد ترجيح الأوّل بدليل أنّه في المورد الذي يتوقّف إنجاء النبيّ صلِّی الله علِیه و آله و سلّم أو المؤمن على الكذب، يرى العقل أنّه لو كان إنجاؤه متوقّفاً على الصدق كان أحسن، فلا يسوّي بين الكذب و الصدق التقديريّ في هذا المورد. و هذا شاهد على أنّ العقل يدرك قبحه فعلاً لا اقتضاءً و الجهات الخارجيّة لا تأثير لها في رفعه و لهذا يتمنّى العاقل أن يكون الصدق مكان الكذب منجياً للنبيّ صلِّی الله علِیه و آله و سلّم و ليس ذلك إلّا لعدم رفع حزازته و قبحه و إن لزم ارتكابه"٢.
يلاحظ عليه: بالملاحظة السابقة.
الدفع الثاني
قال بعض الفقهاء حفظه الله: "لكنّ الإنصاف أنّ حرمة الكذب عند العقلاء ليست لمجرّد
١. کما قال المحقّق الخوئيّ رحمه الله بهذا الوجه : "الظاهر أنّ حرمة الكذب ليست ذاتيّةً ؛ كحرمة الظلم و لذا يختلف حكمه بالوجوه و الإعتبارات و عليه فإذا توقّف الواجب على الكذب و انحصرت به المقدّمة ، وقعت المزاحمة بين حرمة الكذب و بين ذلك الواجب في مقام الإمتثال و جرت عليهما أحكام المتزاحمين؛ مثلاً إذا توقّف إنجاء المؤمن و دفع الهلكة عنه على الكذب، كان واجباً". (مصباح الفقاهة١: ٤٠٣).
٢. المکاسب المحرّمة٢: ١١٢ - ١١٤ (التلخيص).