سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٥٠٢
وقالوا : يا أمير المؤمنين أين تنزل ، أتنزل القصر ؟ فقال : لا ، ولكني أنزل الرحبة ، فنزلها ، وأقبل حتى دخل المسجد الأعظم فصلى فيه ركعتين ، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ( ( ٨ ) ) وقال :
أما بعد يا أهل الكوفة ، فإن لكم في الإسلام فضلاً ما لم تبدلوا وتغيروا . دعوتكم إلى الحق فأجبتم ، وبدأتم بالمنكر فغيرتم .
ألا إن فضلكم فيما بينكم وبين الله في الأحكام والقسم ، فأنتم أسوة من أجابكم ودخل فيما دخلتم فيه . ألا إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل ، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق ، وأما طول الأمل فينسي الآخرة . ألا إن الدنيا قد ترحلت مدبرة ، والآخرة ترحلت مقبلة ، ولكل واحدة منها بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة . اليوم عمل ولا حساب ، وغداً حساب ولا عمل .
الحمد لله الذي نصر وليه ، وخذل عدوه ، وأعز الصادق المحق ، وأذل الناكث المبطل . عليكم بتقوى الله وطاعة من أطاع الله من أهل بيت نبيكم ، الذين هم أولى بطاعتكم فيما أطاعوا الله فيه من المنتحلين المدعين المقابلين إلينا ، يتفضلون بفضلنا ويجاحدونا أمرنا وينازعونا حقنا ويدافعونا عنه ! فقد ذاقوا وبال ما اجترحوا فسوف يلقون غيا .
ألا إنه قد قعد عن نصرتي منكم رجال ، فأنا عليهم عاتب زارٍ ، فاهجروهم وأسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبوا ، ليعرف بذلك حزب الله عند الفرقة .
فقام إليه مالك بن حبيب اليربوعي وكان صاحب شرطته فقال : والله إني لأرى الهجر وإسماع المكروه لهم قليلاً ، والله لئن أمرتنا لنقتلنهم ! فقال علي ( ٧ ) : سبحان الله يا مال ، جزت المدى ، وعدوت الحد ، وأغرقت في النزع !
فقال : يا أمير المؤمنين ، لبعض الغشم أبلغ في أمور تنوبك من مهادنة الأعادي . فقال علي ( ٧ ) : ليس هكذا قضى الله يا مال ، قتل النفس بالنفس فما بال الغشم . قال : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا .
والإسراف في القتل أن تقتل غير قاتلك ، فقد نهى الله عنه وذلك هوالغشم . فقام إليه أبو بردة بن عوف الأزدي وكان ممن تخلف عنه فقال : يا أمير المؤمنين ، أرأيت