سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤١٢
السالفة قبلكم بتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يقول الله عز وجل : كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ . وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخُلقان من خُلق الله عز وجل ، فمن نصرهما نصره الله ، ومن خذلهما خذله الله ، وما أعمال البر والجهاد في سبيله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلاّ كبقعة في بحر لجي . فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقربان من أجل ولا ينقصان من رزق .
وأفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر ، وإن الأمر لينزل من السماء إلى الأرض كما ينزل قطر المطر إلى كل نفس بما قدر الله لها من زيادة أو نقصان ، في نفس أو أهل أو مال ، فإذا أصاب أحدكم نقصاناً في شئ من ذلك ، ورأى الآخر ذا يسار لا يكونن له فتنة ، فإن المرء المسلم البرئ من الخيانة لينتظر من الله إحدى الحسنيين : إما من عند الله فهو خير واقع ، وإما رزق من الله يأتيه عاجل ، فإذا هو ذو أهل ومال ومعه حسبه ودينه .
المال والبنون زينة الحياة الدنيا ، والباقيات الصالحات حرث الدنيا ، والعمل الصالح حرث الآخرة ، وقد يجمعهما الله لأقوام .
فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ، أخبرنا عن أحاديث البدع . قال : نعم ، سمعت رسولالله ( ( ٦ ) ) يقول : إن أحاديث ستظهر من بعدي حتى يقول قائلهم : قال رسولالله ( ( ٦ ) ) ، وسمعت رسولالله ( ( ٦ ) ) ، كل ذلك افتراء عليَّ ، والذي بعثني بالحق ! لتفترقن أمتي على أصل دينها وجماعتها على ثنتين وسبعين فرقة ، كلها ضالة مضلة تدعوا إلى النار ، فإذا كان ذلك ، فعليكم بكتاب الله عز وجل ، فإن فيه نبأ ما كان قبلكم ، ونبأ ما يأتي بعدكم ، والحكم فيه بين ، من خالفه من الجبابرة قصمه الله ، ومن ابتغى العلم في غيره أضله الله ، فهو حبل الله المتين ، ونوره المبين ، وشفاؤه النافع ، وعصمة لمن تمسك به ، ونجاة لمن تبعه ، لايعوجُّ فيقام ، ولا يزيغ فيتشعب ، ولا تنقضي عجائبه ، ولا يخلقه كثرة الرد ، وهو الذي سمعته الجن فلم تناه أن ولوا إلى قومهم منذرين قالوا : يا قومنا : إنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدَي إلَى الرُّشْدِ . من قال به صدق ، ومن عمل به أجر ، ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم .