سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤٧٠
هذه الأمة وقادتها ، ونحن اليوم في طبقة سافلة جداً عنهم ، فكيف يحسن بنا التعرض لذكرهم ! أليس يقبح من الرعية أن تخوض في دقائق أمور الملك وأحواله وشؤونه التي تجرى بينه وبين أهله وبني عمه ونسائه وسراريه ! وقد كان رسولالله ( ( ٦ ) ) صهراً لمعاوية وأخته أم حبيبة تحته ، فالأدب أن تحفظ أم حبيبة وهي أم المؤمنين في أخيها . وكيف يجوز أن يلعن من جعل الله تعالى بينه وبين رسوله مودة ! أليس المفسرون كلهم قالوا : هذه الآية أنزلت في أبي سفيان وآله ، وهي قوله تعالى : عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً . فكان ذلك مصاهرة رسولالله ( ( ٦ ) ) أبا سفيان وتزويجه ابنته .
على أن جميع ما تنقله الشيعة من الاختلاف بينهم والمشاجرة لم يثبت ، وما كان القوم إلا كبني أم واحدة ، ولم يتكدر باطن أحد منهم على صاحبه قط ، ولا وقع بينهم اختلاف ولا نزاع .
فقال أبو جعفر ( رحمه الله ) : قد كنت منذ أيام علَّقت بخطي كلاماً وجدته لبعض الزيدية في هذا المعنى ، نقضاً ورداً على أبي المعالي الجويني ، فيما اختاره لنفسه من هذا الرأي ، وأنا أخرجه إليكم لأستغني بتأمله عن الحديث على ما قاله هذا الفقيه ، فإني أجد ألماً يمنعني من الإطالة في الحديث ، لا سيما إذا خرج مخرج الجدل ومقاومة الخصوم . ثم أخرج من بين كتبه كراساً قرأناه في ذلك المجلس واستحسنه الحاضرون ، وأنا أذكر هاهنا خلاصته :
قال : لولا أن الله تعالى أوجب معاداة أعدائه ، كما أوجب موالاة أوليائه ، وضيق على المسلمين تركها إذا دل العقل عليها ، أو صح الخبر عنها بقوله سبحانه :
لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ . وبقوله تعالى : وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِىِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ . وبقوله سبحانه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، ولاجماع المسلمين على إن الله تعالى فرض عداوة أعدائه ، وولاية أوليائه ، وعلى أن البغض في الله واجب ، والحب في الله واجب ، لما تعرضنا لمعاداة أحد من الناس في الدين ، ولا البراءة منه ولكانت عداوتنا للقوم تكلفاً . ولو ظننا إن الله عز وجل يعذرنا إذا قلنا : يا رب غاب أمرهم عنا ، فلم يكن لخوضنا في أمر قد غاب عنا معنى ، لاعتمدنا على هذا العذر