سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤٠٨
وتنادى الناس من كل جانب : أصبت يا أمير المؤمنين ، أصاب الله بك الرشاد والسداد ! فقام عمار فقال : يا أيها الناس ! إنكم والله إن اتبعتموه وأطعتموه لم يضلّ بكم من منهاج نبيكم قيد شعرة ، وكيف يكون ذلك وقد استودعه رسولالله ( ( ٦ ) ) المنايا والوصايا ، وفصل الخطاب ، على منهاج هارون بن عمران ، إذ قال له رسولالله ( ( ٦ ) ) : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي . فضلاً خصّه الله به إكراماً منه لنبيه ، حيث أعطاه الله ما لم يعطه أحداً من خلقه .
ثم قال علي : أنظروا رحمكم الله ما تؤمرون به فامضوا له ، فإن العالم أعلم بما يأتي من الجاهل الخسيس الأخس ، فإني حاملكم إن شاء الله تعالى إن أطعتموني على سبيل الجنة ، وإن كان ذا مشقة شديدة ومرارة عتيدة ، وإن الدنيا حلوة ، الحلاوة لمن اغتر بها ، من الشقوة والندامة عما قليل .
ثم إني مخبركم أن خيلاً من بني إسرائيل أمرهم نبيهم أن لا يشربوا من النهر ، فلجوا في ترك أمره ، فشربوا منه إلاّ قليلاً منهم ، فكونوا رحمكم الله من أولئك الذين أطاعوا نبيهم ولم يعصوا ربهم .
وأما عائشة فأدركها رأي النساء ، وشئ كان في نفسها عليَّ يغلي في جوفها كالمرجل ، ولو دعيت لتنال من غيري ما أتت إليَّ ، لم تفعل ، ولها بعد ذلك حرمتها الأولى ، والحساب على الله ، يعفو عمن يشاء ويعذب من يشاء .
فرضي بذلك أصحابه وسلموا لأمره بعد اختلاط شديد ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ! حكمت والله فينا بحكم الله ، غير أنا جهلنا ، ومع جهلنا لم نأت ما يكره أمير المؤمنين : وقال ابن يساف الأنصاري :
إن رأياً رأيتموه سفاهاً * لخطأ الإيراد والإصدار
ليس زوج النبي تقسم فيئاً * ذاك زيغ القلوب والأبصار
فاقبلوا اليوم ما يقول علي * لا تناجوا بالإثم في الإسرار
ليس ما ضمت البيوت بفيئ * إنما الفيئ ما تضم الأوار