سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤١٨
خفت عقولكم ، وسفهت حلومكم ، شهرتم علينا سيوفكم ، وسفكتم دماءكم ، وخالفتم إمامكم . الله أمركم بجهادي ، أم على الله تفترون .
يا أهل البصرة ، قد نكثتم بيعتي ، وظاهرتم عليَّ ذوي عداوتين فما ظنكم الآن بي ، وقد أمكنني الله منكم وأسلمكم بأعمالكم .
فقام إليه رجل منهم فقال : نظن خيراً يا أمير المؤمنين ، ونرى أنك ظفرت وقدرت ، فإن عاقبت فقد أجرمنا ، وإن عفوت فالعفو أحب إلى رب العالمين . فقال ( ٧ ) : قد عفوت عنكم . فإياكم أن تعودوا لمثلها ، فإنكم أول من نكث البيعة ، وشق عصا هذه الأمة ، وشرع القتال والشقاق ، وترك الحق والإنصاف ، فأنتم غرض لنابل ، وأكلة لآكل ، وفريسة لصائل . النار لكم مدخر ، والعار لكم مفخر . المقيم بين أظهركم مرتهن بذنبه ، والشاخص عنكم متدارك برحمة من ربه ، وما الله بظلام للعبيد . فارجعوا عن الحوبة ، وأخلصوا فيما بينكم وبين الله بالتوبة .
يا بصرة ، أي يوم لك لو تعلمين ، إن لك من الماء ليوماً عظيماً بلاؤه ، وإني لأعرف موضع منفجره من قريتكم هذه . ثم أمور قبل ذلك تدهمكم أخفيت عليكم وعلمناها . وأيم الله ، لتغرقن بلدتكم هذه ، قد طبقها الماء حتى ما يرى منها إلا شُرف المسجد ، كأنه جؤجؤ سفينة في لجة بحر ، أو نعامة جاثمة . قد بعث الله عليها العذاب من فوقها ومن تحتها ، وغرق من في ضمنها . فمن خرج عند دنو غرقها فبرحمة من الله سبقت له ، ومن بقي فيها غير مرابط بها فبذنبه . فويل لك ، يا بصرة ، عند ذلك من جيش من نقم الله لا رهج له ولا حس . وسيبتلي الله أهلك بالموت الأحمر ، والجوع الأغبر .
ويل لسكككم العامرة ، ودوركم المزخرفة ، التي لها أجنحة كأجنحة النسور ، وخراطيم كخراطيم الفيلة ، من أولئك الذين لايندب قتيلهم ، ولايفقد غائبهم .
فقام إليه الأحنف بن القيس فقال : يا أمير المؤمنين ، متى يكون ذلك ؟
فقال ( ٧ ) : يا أبا بحر ، إنك لن تدرك ذلك الزمان ، وإن بينك وبينه لقروناً ، ولكن ليبلغ الشاهد منكم الغائب عنكم ، لكي يبلغوا إخوانهم إذا هم رأوا البصرة قد تحولت أخصاصها دوراً ، وآجامها قصوراً ، فالهرب الهرب ، فإنه لا بصيرة لكم يومئذ .