سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤٧١
وواليناهم ، ولكنا نخاف أن يقول سبحانه لنا : إن كان أمرهم قد غاب عن أبصاركم ، فلم يغب عن قلوبكم وأسماعكم ، قد أتتكم به الأخبار الصحيحة التي بمثلها ألزمتم أنفسكم الإقرار بالنبي ( ( ٦ ) ) وموالاة من صدقه ، ومعاداة من عصاه وجحده ، وأمرتم بتدبر القرآن وما جاء به الرسول ، فهلا حذرتم من أن تكونوا من أهل هذه الآية غدا : رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا ! فأما لفظة اللعن فقد أمر الله تعالى بها وأوجبها ، ألا ترى إلى قوله : أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ، فهو إخبار معناه الأمر ، كقوله : وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ، وقد لعن الله تعالى العاصين بقوله : لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، وقوله : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، وقوله : مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً ، وقال الله تعالى لإبليس : وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى إِلَى يَوْمِ الدِّينِ . وقال : إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا .
فأما قول من يقول : أي ثواب في اللعن ! وإن الله تعالى لا يقول للمكلف لمَ لمْ تلعن ؟ بل قد يقول له : لم لعنت ؟ وإنه لو جعل مكان لعن الله فلاناً ، اللهم اغفر لي لكان خيراً له ، ولو أن إنساناً عاش عمره كله لم يلعن إبليس لم يؤاخذ بذلك ، فكلام جاهل لا يدري ما يقول : اللعن طاعة ويستحق عليها الثواب إذا فعلت على وجهها ، وهو أن يلعن مستحق اللعن لله وفي الله ، لا في العصبية والهوى ، ألا ترى أن الشرع قد ورد بها في نفي الولد ، ونطق بها القرآن وهو أن يقول الزوج في الخامسة : وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ . فلو لم يكن الله تعالى يريد أن يتلفظ عباده بهذه اللفظة وإنه قد تعبدهم بها ، لما جعلها من معالم الشرع ، ولما كررها في كثير من كتابه العزيز ، ولما قال في حق القاتل : وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ ، وليس المراد من قوله : ولعنه إلا الأمر لنا بأن نلعنه ، ولو لم يكن المراد بها ذلك لكان لنا أن نلعنه ، لأن الله تعالى قد لعنه ، أفيلعن الله تعالى إنساناً ولا يكون لنا أن نلعنه ! هذا ما لا يسوغ في العقل ، كما لا يجوز أن يمدح الله إنساناً إلا ولنا أن نمدحه ، ولا يذمه إلا ولنا أن نذمه ، وقال تعالى : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً