سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢٦٤
بالبصرة ، فأقبل إلى عائشة فاستأذن عليها فأبت أن تأذن له ، فدخل عبد الله بغيرإذن ، ثم التفت فإذا راحلة عليها وسائد ، فأخذ منها وسادة وطرحها ثم جلس عليها ، فقالت عائشة : يا ابن عباس أخطأت السنة ! دخلت منزلي بغير إذني ! فقال ابن عباس : لو كنت في منزلك الذي خلفك فيه رسولالله ( ( ٦ ) ) لما دخلت عليك إلا بإذنك ، وذلك المنزل الذي أمرك الله عز وجل أن تقري فيه فخرجت منه عاصية لله عز وجل
ولرسوله محمد ( ( ٦ ) ) .
وبعد ، فهذا أمير المؤمنين يأمرك بالإرتحال إلى المدينة فارتحلي ولاتعصي ، فقالت عائشة : رحم الله أمير المؤمنين ذاك عمر بن الخطاب ! فقال ابن عباس : وهذا والله أمير المؤمنين وإن رغمت له الأنوف واربدت له الوجوه ! فقالت عائشة : أبيتُ ذلك عليكم يا ابن عباس ! فقال ابن عباس : لقد كانت أيامك قصيرة المدة ظاهرة الشؤم ، بينة النكد ، وما كنت في أيامك إلا كقدر حلب شاة حتى صرت ما تأخذين وما تعطين ، ولا تأمرين ولا تنهين ، وما كنت إلا كما قال أخو بني أسد حيث يقول :
ما زال إهداء القصائد بيننا * شتم الصديق وكثرة الألقاب
حتى تركت كأن قولك عندهم * في كل محتفل طنين ذباب
قال : فبكت عائشة بكاء شديداً ، ثم قالت : نعم والله أرحل عنكم ! فما خلق الله بلداً هو أبغض إليَّ من بلد أنتم به يا بني هاشم ! فقال ابن عباس : ولم ذلك ؟ فوالله ما هذا بلاؤنا عندك يا بنت أبي بكر ! فقالت عائشة : وما بلاؤكم عندي يا ابن عباس ؟ فقال : بلاؤنا عندك أننا جعلناك أم المؤمنين وأنت بنت أم رومان ، وجعلنا أباك صديقاً وهو ابن أبي قحافة ، وبنا سميت أم المؤمنين لا بتيمٍ وعدي ! فقالت عائشة : يا ابن عباس ! أتمنون علي برسول الله ؟ فقال : ولم لانمن عليك بمن لو كانت فيك شعرة منه أو ظفر لمننت بها وفخرت ، ونحن منه وإليه لحمه ودمه ، وإنما أنت حِشْية من تسع حشيات خلَّفهن ، لست بأرشحهن عَرَقاً ، ولا بأنضرهن وَرَقاً ، ولا بأمَدَّهن ظلاً ، وإنما أنت كما قال أخو بني أسد :