سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٢٦
الدنيا دار صدق لمن صدقها
في تحف العقول لابن شعبة الحراني / ١٨٦ : ( قال جابر بن عبد الله الأنصاري : كنا مع أمير المؤمنين ( ٧ ) بالبصرة فلما فرغ من قتال من قاتله أشرف علينا من آخر الليل فقال : ما أنتم فيه ؟ فقلنا : في ذم الدنيا . فقال : على مَ تذم الدنيا يا جابر ؟ ثم حمد الله وأثنى عليه وقال : أما بعد فما بال أقوام يذمون الدنيا ؟ انتحلوا الزهد فيها . الدنيا منزل صدق لمن صدقها ، ومسكن عافية لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزود منها ، مسجد أنبياء الله ، ومهبط وحيه ، ومصلى ملائكته ، ومسكن أحبائه ، ومتجر أوليائه ، اكتسبوا فيها الرحمة ، وربحوا منها الجنة ، فمن ذا يذم الدنيا يا جابر وقد آذنت ببينها ، ونادت بانقطاعها ، ونعت نفسها بالزوال ، ومثلت ببلائها البلاء ، وشوقت بسرورها إلى السرور ، وراحت بفجيعة ، وابتكرت بنعمة وعافية ، ترهيباً وترغيباً ، يذمها قوم عند الندامة ، خدمتهم جميعاً فصدقتهم ، وذكرتهم فذكروا ، ووعظتهم فاتعظوا ، وخوفتهم فخافوا . وشوقتهم فاشتاقوا .
فأيها الذام للدنيا ، المغتر بغرورها ، متى استذمت إليك بل متى غرتك بنفسها ؟ بمصارع آبائك من البلى ؟ أم بمضاجع أمهاتك من الثرى ؟ كم مرضت بيديك ، وعللت بكفيك ، تستوصف لهم الدواء ، وتطلب لهم الأطباء ، لم تدرك فيه طلبتك ، ولم تسعف فيه بحاجتك ، بل مثلت الدنيا به نفسك ، وبحاله حالك ، غداة لا ينفعك أحباؤك ، ولا يغني عنك نداؤك ، حين يشتد من الموت أعالين المرض ، وأليم لوعات المضض ، حين لا ينفع الأليل ، ولا يدفع العويل ، يحفز بها الحيزوم ، ويغص بها الحلقوم ، لا يسمعه النداء ، ولا يروعه الدعاء .
فياطول الحزن عند انقطاع الأجل ، ثم يراح به على شرجع ، تنقله أكف أربع ، فيضجع في قبره في لبث ، وضيق جدث ، فذهبت الجدة ، وانقطعت المدة ، ورفضته العطفة ، وقطعته اللطفة ، لا تقاربه الأخلاء ، ولا يلم به الزوار ، ولا اتسقت به الدار ، انقطع دونه الأثر ، واستعجم دونه الخبر ، وبكرت ورثته ، فاقتسمت تركته ، ولحقه الحوب وأحاطت به الذنوب . فإن يكن قدم خيراً طاب مكسبه ، وإن يكن قدم شراً تبَّ منقلبه ! وكيف