سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ١٧٦
ما هذه الدهماء والدهياء ، وردت علينا من قريش . أنا صاحب هذه المشاهد ، وأبو هذه المواقف ، وابن هذه الأفعال .
يا معشر المهاجرين والأنصار : إني على بصيرة من أمري ، وعلى ثقة من ديني . اليوم أنطقتُ الخرساء البيان ، وفَهَّهْتُ العجماء الفصاحة ، وأتيتُ العمياء بالبرهان . هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ، قد توافقنا على حدود الحق والباطل ، وأخرجتكم من الشبهة إلى الحق ، ومن الشك إلى اليقين . فتبرؤوا رحمكم الله ممن نكثوا البيعتين ، وغلب الهوى بهم فضلوا . وأبعدوا رحمكم الله ممن أخفى الغدر ، وطلب الحق من غير أهله فتاه ! والعنوا رحمكم الله من انهزم الهزيمتين إذ يقول الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ . وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ . وقال : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًاوَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ .
أغضبوا رحمكم الله على من غضب الله عليهم ، وتبرؤوا رحمكم الله ممن يقول فيه رسول الله ٦ : ترتفع يوم القيامة ريح سوداء تخطف من دوني قوماً من أصحابي من عظماء المهاجرين ، فأقول : أصيحابي فيقال : محمد إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك . وتبرؤوا رحمكم الله من النفْس الضالة : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ ، فيقولوا : رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ ، ومن قبل أن يقولوا : يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ . أو يقولوا : وَمَا أَضَلَّنَا إِلا أَلْمُجْرِمُونَ ، أو يقولوا : رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا .
إن قريشاً طلبت السعادة فشقيت ، وطلبت النجاة فهلكت ، وطلبت الهداية فضلت . إن قريشاً قد أضلت أهل دهرها ، ومن يأتي من بعدها من القرون ، إن الله تبارك اسمه وضع إمامتي في قرآنه فقال : الَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا . وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا للَّمُتَّقِينَ إِمَامًا . وقال : الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَوةَ وَآتَوُا الزَّكَوةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللَّهِ عَاقِبَةُ الآمُورِ ) . ثم قال الصفار رحمه الله : وهي خطبة طويلة ! وأقول : ليته رواها كاملة ، لصراحتها وبلاغتها .