سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ١٧٣
وبي كان يفري جماجم البهم ، وهام الأبطال ، إذا فزعت تيمٌ إلى الفرار ، وعديٌّ إلى الإنتكاص .
أما وإني لو أسلمت قريشاً للمنايا والحتوف ، وتركتها فحصدتها سيوف الغوانم ، ووطأتها الأعاجم ، وكَرَّات الأعادي ، وحملات الأعالي ، وطحنتهم سنابك الصافنات ، وحوافر الصاهلات ، في مواقف الأزْل والهزْل ، في ظلال الأعنة ، وبريق الأسنة ، مابقوا لهضمي ، ولا عاشوا لظلمي ، ولما قالوا إنك لحريص متهم . اليوم نتواقف على حدود الحق والباطل . اللهم افتح بيننا وبين قومنا بالحق ، فإني مهدت مهاد نبوة محمد ٦ ، ورفعت أعلام دينك ، وأعلنت منار رسولك ، فوثبوا علي وغالبوني ، ونالوني ووتروني !
فقام إليه أبو حازم الأنصاري فقال : يا أمير المؤمنين أبو بكر وعمر ظلماك أحقك أخذا ، وعلى الباطل مضيا ، أعلى حق كانا ؟ أعلى صواب أقاما ؟ أم ميراثك غصبا ؟ أفهمنا لنعلم باطلهم من حقك ، أو نعلم حقهما من حقك . أبَزَّاك أمرك ؟ أم غصباك إمامتك ، أم غالباك فيها عزاً ، أم سبقاك إليها عجلاً ؟ فجرت الفتنة ولم تستطع منها استقلالاً ، فإن المهاجرين والأنصار يظنان أنهما كانا على حق ، وعلى الحجة الواضحة مضيا .
فقال صلوات الله عليه : يا أخا اليمن لا بحق أخذا ، ولا على إصابة أقاما ، ولا على دين مضيا ، ولا على فتنة خشيا ، يرحمك الله ! اليوم نتواقف على حدود الحق والباطل ، أتعلمون يا إخواني أن بني يعقوب على حق ومحجة كانوا ، حين باعوا أخاهم ، وعقوا أباهم ، وخانوا خالقهم ، وظلموا أنفسهم ، فقالوا : لا .
فقال : يرحمكم الله أيعلم إخوانك هؤلاء أن ابن آدم قاتل الأخ كان على حق ومحجة وإصابة ، وأمره من رضا الله ؟ فقالوا : فقال : لا . فقال : أوليس كلٌّ فعل بصاحبه ما فعل ، لحسده إياه وعدوانه وبغضانه له ؟ فقالوا : نعم .
قال : وكذلك فعلابي ما فعلا حسداً ، ثم إنه لم يتب على ولد يعقوب إلا بعد