سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤٧٢
عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ ، وقال : رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا . ، وقال عز وجل : وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا . وكيف يقول القائل : إن الله تعالى لا يقول للمكلف : لمِ لمْ تلعن ؟ ألا يعلم هذا القائل أن الله تعالى أمر بولاية أوليائه وأمر بعداوة أعدائه ، فكما يسأل عن التولي يسأل عن التبري ! ألا ترى أن اليهودي إذا أسلم يطالب بان يقال له : تلفظ بكلمة الشهادتين ، ثم قل : برئت من كل دين يخالف دين الإسلام ، فلا بد من البراءة ، لأن بها يتم العمل !
ألم يسمع هذا القائل قول الشاعر :
تودُّ عدوي ثم تزعمُ أنني * صديقك إن الرأيَ عنك لعازبُ
فمودة العدو خروج عن ولاية الولي ، وإذا بطلت المودة لم يبق إلا البراءة ، لأنه لا يجوز أن يكون الإنسان في درجة متوسطة مع أعداء الله تعالى وعصاته ، بألا يودهم ولا يبرأ منهم بإجماع المسلمين على نفي هذه الواسطة .
وأما قوله : لو جعل عوض اللعنة استغفر الله لكان خيراً له ، فإنه لو استغفر من غير أن يلعن أو يعتقد وجوب اللعن لما نفعه استغفاره ولا قبل منه ، لأنه يكون عاصيا لله تعالى ، مخالفاً أمره في إمساكه عمن أوجب الله تعالى عليه البراءة منه ، وإظهار البراءة ، والمصر على بعض المعاصي لاتقبل توبته واستغفاره عن البعض الآخر ، وأما من يعيش عمره ولا يلعن إبليس ، فإن كان لا يعتقد وجوب لعنه فهو كافر ، وإن كان يعتقد وجوب لعنه ولا يلعنه فهو مخطئ ، على أن الفرق بينه وبين ترك لعنة رؤوس الضلال في هذه الأمة كمعاوية والمغيرة وأمثالهما ، إن أحداً من المسلمين لا يورث عنده الإمساك عن لعن إبليس شبهة في أمر إبليس ، والإمساك عن لعن هؤلاء وأضرابهم يثير شبهة عند كثيرمن المسلمين في أمرهم ، وتجنب ما يورث الشبهة في الدين واجب تركه ، فلهذا لم يكن الإمساك عن لعن إبليس نظيراً للإمساك عن أمر هؤلاء .
قال : ثم يقال للمخالفين : أرأيتم لو قال قائل : قد غاب عنا أمر يزيد بن معاوية والحجاج بن يوسف ، فليس ينبغي أن نخوض في قصتهما ، ولا أن نلعنهما ونعاديهما ونبرأ منهما ، هل كان هذا إلا كقولكم : قد غاب عنا أمر معاوية والمغيرة بن شعبة