سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ١٨٠
مثلة ، وسموا صدقهم على الله فرية ، وجعلوا في الحسنة العقوبة السيئة ، وقد بعث الله عز وجل إليكم رسولاً : مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ٦ ، وأنزل عليه كتاباً عزيزاً : لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ، قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجٍ . لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ . فلا يلهينكم الأمل ولا يطولن عليكم الأجل ، فإنما أهلك من كان قبلكم أمد أملهم ، وتغطية الآجال عنهم ، حتى نزل بهم الموعود ، الذي ترد عنه المعذرة ، وترفع عنه التوبة ، وتحل معه القارعة والنقمة ، وقد أبلغ الله عز وجل إليكم بالوعد ، وفصل لكم القول ، وعلمكم السنة ، وشرح لكم المناهج ليزيح العلة ، وحث على الذكر ودل على النجاة ، وإنه من انتصح لله واتخذ قوله دليلاً هداه للتي هي أقوم ، ووفقه للرشاد ، وسدده ويسره للحسنى ، فإن جار الله آمن محفوظٌ ، وعدوه خائف مغرور .
فاحترسوا من الله عز وجل بكثرة الذكر ، واخشوا منه بالتقى ، وتقربوا إليه بالطاعة ، فإنه قريب مجيب . قال الله عز وجل : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ . فاستجيبوا لله وآمنوا به ، وعظموا الله الذي لا ينبغي لمن عرف عظمة الله أن يتعظم ، فإن رفعة الذين يعلمون ما عظمة الله ، أن يتواضعوا له ، وعز الذين يعلمون ما جلال الله أن يذلوا له ، وسلامة الذين يعلمون ما قدرة الله أن يستسلموا له ، فلا ينكرون أنفسهم بعد حد المعرفة ، ولا يضلون بعد الهدى ، فلا تنفروا من الحق نفار الصحيح من الأجرب ، والبارئ من ذي السقم .
واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه ، ولم تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه ، ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه ، ولن تتلوا الكتاب حق تلاوته حتى تعرفوا الذي حرفه ، ولن تعرفوا الضلالة حتى تعرفوا الهدى ، ولن تعرفوا التقوى حتى تعرفوا الذي تعدى ، فإذا عرفتم ذلك عرفتم البدع والتكلف ، ورأيتم الفرية على الله وعلى رسوله والتحريف لكتابه ، ورأيتم كيف هدى الله من هدى ، فلا يُجهلنكم الذين لا يعلمون .
إن علم القرآن ليس يعلم ما هو إلا من ذاق طعمه ، فعلم بالعلم جهله ، وبصر به عماه ،