سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ١٧٢
ونورد هنا رواية العُدد أيضاً لأهميتها ، وفروقها عن غيرها ، قال الصفار رحمه الله : ( وقد كفانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه المؤونة في خطبة خطبها ، أودعها من البيان والبرهان ما يجلي الغشاوة عن أبصار متأمليه ، والعمى عن عيون متدبريه ، وحلينا الكتاب بها ليزداد المسترشدون في هذا الأمر بصيرة ، وهي مِنَّةُ الله جل ثناؤه علينا وعليهم ، يجب شكرها ، خطب صلوات الله عليه فقال :
ما لنا ولقريش ! وما تنكر منا قريش غير أنا أهل بيت شيد الله فوق بنيانهم بنياننا ، وأعلى فوق رؤوسهم رؤوسنا ، واختارنا الله عليهم ، فنقموا على الله أن اختارنا عليهم ، وسخطوا ما رضي الله ، وأحبوا ما كره الله . فلما اختارنا الله عليهم شركناهم في حريمنا ، وعرفناهم الكتاب والنبوة ، وعلمناهم الفرض والدين ، وحفظناهم الصحف والزبر ، وديَّناهم الدين والإسلام ، فوثبوا علينا ، وجحدوا فضلنا ومنعونا حقنا ، وأَلَتُونا أسباب أعمالنا وأعلامنا .
اللهم فإني أستعديك على قريش ، فخذ لي بحقي منها ولا تدع مظلمتي لديها ، وطالبهم يا رب بحقي فإنك الحكم العدل ، فإن قريشاً صغرت عظيم أمري ، واستحلت المحارم مني ، واستخفت بعرضي وعشيرتي ، وقهرتني على ميراثي من ابن عمي ، وأغرَوْا بي أعدائي ، ووتروا بيني وبين العرب والعجم ، وسلبوني ما مهدت لنفسي من لدن صباي ، بجهدي وكدي ، ومنعوني ما خلفه أخي وجسمي وشقيقي ، وقالوا : إنك لحريص متهم !
أليس بنا اهتدوا من متاه الكفر ، ومن عمى الضلالة ، وغي الظلماء .
أليس أنقذتهم من الفتنة الصماء ، والمحنة العمياء .
ويلهم ! ألم أخلصهم من نيران الطغاة ، وكرَّة العتاة ، وسيوف البغاة ، ووطأة الأُسْد ، ومقارعة الطماطمة ، ومماحكة القماقمة ، الذين كانوا عُجْم العرب وغُنْم الحروب ، وقُطب الإقدام ، وجبال القتال ، وسهام الخطاب ، وسلَّ السيوف . أليس بي تسنموا الشرف ، وبي نالوا الحق والنصف ، ألست آية نبوة محمد ، ودليل رسالته ، وعلامة رضاه وسخطه . أليس بي كان يَقطع الدروع الدلاص ، ويصطلم الرجال الحراص .