سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ١٦٣
ابتعثه رحمةً للعباد ، وحياةً للبلاد ، حين امتلأت الأرض فتنة ، واضطرب حبلها ، وعبد الشيطان في أكنافها ، واشتمل عدو الله إبليس على عقائد أهلها ، فكان محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الذي أطفأ الله به نيرانها ، وأخمد به شرارها ، ونزع به أوتادها ، وأقام به ميلها إمام الهدى ، والنبي المصطفى ٦ ، فلقد صدع بما أمر به ، وبلغ رسالات ربه ، فأصلح الله به ذات البين ، وآمن به السبل ، وحقن به الدماء ، وألف به بين ذوي الضغائن الواغرة في الصدور ، حتى أتاه اليقين ، ثم قبضه الله إليه حميداً .
ثم استخلف الناس أبا بكر فلم يأل جهده ، ثم استخلف أبو بكر عمر فلم يأل جهده ، ثم استخلف الناس عثمان فنال منكم ونلتم منه ، حتى إذا كان من أمره ما كان ، أتيتموني لتبايعوني فقلت : لا حاجة لي في ذلك ودخلت منزلي فاستخرجتموني ، فقبضت يدي فبسطتموها ، وتداككتم عليَّ حتى ظننت أنكم قاتليَّ وأن بعضكم قاتل بعض ، فبايعتموني وأنا غير مسرور بذلك ، ولا جذل . وقد علم الله سبحانه أني كنت كارهاً للحكومة ، بين أمة محمد ٦ ولقد سمعته يقول : ما من والٍ يلي شيئاً من أمر أمتي إلا أتي به يوم القيامة مغلولةً يداه إلى عنقه على رؤوس الخلائق ثم ينشر كتابه ، فإن كان عادلاً نجا ، وإن كان جائراً هوى . حتى اجتمع عليَّ ملؤكم وبايعني طلحة والزبير وأنا أعرف الغدر في أوجههما والنكث في أعينهما ، ثم استأذناني في العمرة فأعلمتهما أن ليس العمرة يريدان ، فسارا إلى مكة واستخفا عائشة وخدعاها ، وشخص معهما أبناء الطلقاء ، فقدموا البصرة فقتلوا بها المسلمين ، وفعلوا المنكر !
ويا عجباً لاستقامتهما لأبي بكر وعمر وبغيهما عليَّ ! هما يعلمان أني لست دون أحدهما ، ولو شئت أن أقول لقلت ، ولقد كان معاوية كتب إليهما من الشام كتاباً يخدعهما فيه فكتماه عني ، وخرجا يوهمان الطغام أنهما يطلبان بدم عثمان ، والله ما أنكرا عليَّ منكراً ، ولا جعلا بيني وبينهم نصفاً ، وإن دم عثمان لمعصوب بهما ومطلوب منهما ! يا خيبة الداعي إلى مَ دعا ، وبما ذا أجيب !