سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ١٧٩
الهدى عند الضلال في ذلك الزمان .
فقد نبذ الكتاب حملته ، وتناساه حفظته ، حتى تمايلت بهم الأهواء ، وتوارثوا ذلك من الآباء ، وعملوا بتحريف الكتاب كذباً وتكذيباً ، فباعوه بالبخس ، وكانوا فيه من الزاهدين ، فالكتاب وأهل الكتاب في ذلك الزمان طريدان منفيان ، وصاحبان مصطحبان في طريق واحد ، لايأويهما مؤو ، فحبذا ذانك الصاحبان ، واهاً لهما ولما يعملان له ، فالكتاب وأهل الكتاب في ذلك الزمان في الناس وليسوا فيهم ، ومعهم وليسوا معهم ، وذلك لأن الضلالة لا توافق الهدى وإن اجتمعا ، وقد اجتمع القوم على الفرقة ، وافترقوا عن الجماعة ، قد ولوا أمرهم وأمر دينهم من يعمل فيهم بالمكر والمنكر ، والرشا والقتل ، كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم ، لم يبق عندهم من الحق إلا اسمه ، ولم يعرفوا من الكتاب إلا خطه وزبره ! يدخل الداخل لما يسمع من حكم القرآن ، فلايطمئن جالساً حتى يخرج من الدين ، ينتقل من دين ملك إلى دين ملك ، ومن ولاية ملك إلى ولاية ملك ، ومن طاعة ملك إلى طاعة ملك ، ومن عهود ملك إلى عهود ملك ، فاستدرجهم الله تعالى من حيث لا يعلمون ، وإن كيده متين ، بالأمل والرجاء ، حتى توالدوا في المعصية ، ودانوا بالجور ، والكتاب لم يضرب عن شئ منه صفحاً ، ضُلَّالاً ، تائهين ، قد دانوا بغير دين الله عز وجل ، وأدانوا لغير الله . مساجدهم في ذلك الزمان عامرةٌ من الضلالة ، خربةٌ من الهدى ، فقراؤها وعمارها أخائب خلق الله وخليقته !
من عندهم جرت الضلالة وإليهم تعود ، فحضور مساجدهم والمشي إليها كفر بالله العظيم ، إلا من مشى إليها وهو عارف بضلالهم ، فصارت مساجدهم من فعالهم على ذلك النحو خربة من الهدى عامرة من الضلالة ، قد بدلت سنة الله ، وتُعديت حدوده . لا يدعون إلى الهدى ولا يقسمون الفيئ ولا يوفون بذمة ، يدعون القتيل منهم على ذلك شهيداً ، قد أتوا الله بالافتراء والجحود ، واستغنوا بالجهل عن العلم ، ومن قبل ما مثلوا بالصالحين كل