سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤٥٤
أكف عنك عشرة آلاف سيف . فرجع إلى الناس فدعاهم إلى القعود وارتحل حتى نزل بحذاء القوم والناس لا يشكون في الصلح ، ومع عائشة ثلاثون ألفاً ، ومع عليّ عشرون ألفاً ، فلما نزل الناس واطمأنوا خرج علي وخرج طلحة والزبير ، فتواقفوا وتكلموا فيما اختلفوا فيه ، فلم يجدوا أمراً هو أمثل من الصلح ووضع الحرب ، فافترقوا عن موقفهم على ذلك ، ورجع عليّ إلى عسكره ، ورجع وطلحة والزبير إلى عسكرهما !
وبعث عليٌّ من العشي عبد الله بن عباس إلى طلحة والزبير . . فباتوا على الصلح ، وباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية من الَّذي أشرفوا عليه ، وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشرّ ليلة قد أشرفوا على الهلكة ، وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلها ، حتى اجتمعوا على إنشاب الحرب في السر ، واستسروا بذلك خشية أن يفطن لهم فغدوا مع الغلس ، وما يشعر بهم أحد غيرجيرانهم ، فخرج مضريهم إلى مضريهم ويمانيهم إلى يمانيهم ، حتى وضعوا فيهم السلاح ، فثار أهل البصرة ، وثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين بهتوهم ، وخرج الزبير وطلحة فبعثا إلى الميمنة عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وإلى الميسرة عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد ، وثبتا في القلب ، وقالا : ما هذا ؟ قالوا : طرقنا أهل الكوفة ليلاً ، فقالا : قد علمنا أن علياً غير منته حتى يسفك الدماء وإنه لن يطاوعنا ، ثم رجعا بأهل البصرة . فسمع علي وأهل الكوفة الصوت ، وقد وضعوا رجلاً قريباً من عليّ ليخبره بما يريدون ، فلما قال : ما هذا ؟ قال ذلك الرجل : ما فاجئنا إلا وقوم منهم قد بيّتونا ، فرددناهم من حيث جاؤوا ، فوجدنا القوم على رجل فركبونا ، وثار الناس ، وقال علي : ولقد علمت أن طلحة والزبير غير منتهيين حتى يسفكا الدماء ، ونادى عليّ في الناس : كفوا ، فكان رأيهم جميعاً ألا يقتتلوا حتى يُبدؤوا . وأقبل كعب بن سعد حتى أتى عائشة رضي الله عنهما فقال أدركي فقد أبى القوم إلا القتال لعل الله يصلح بك ، فركبت وألبسوا هودجها الأدراع ثم بعثوا جملها ، فلما برزت وكانت بحيث تسمع الغوغاء . . الخ ) .