سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤٤٣
ويخيل اليَّ أن الذين يكبرون من أمر ابن سبأ إلى هذا الحد ، يسرفون على أنفسهم وعلى التأريخ إسرافاً شديداً . وأول ما نلاحظ أنا لا نجد لابن سبأ ذكراً في المصادر المهمة التي قصت أمر الخلاف على عثمان ، فلم يذكره ابن سعد حين قص ما كان من خلافة عثمان وانتقاض الناس عليه ، ولم يذكره البلاذري في أنساب الأشراف ، وهو فيما أرى أهم المصادر لهذه القصة وأكثرها تفصيلاً . وذكره الطبري عن سيف بن عمر ، وعنه أخذ المؤرخون الذين جاءوا بعده فيما يظهر . ولست أدري أكان لابن سبأ خطر أيام عثمان أم لم يكن ، ولكني أقطع بأن خطره إن كان له خطر ليس ذا شأن . وما كان المسلمون في عصرعثمان ليعبث بعقولهم وآرائهم وسلطانهم طارئ من أهل الكتاب أسلم أيام عثمان ، ولم يكد يسلم حتى انتدب لنشرالفتنة وإذاعة الكيد في جميع الأقطار .
ولو قد أخذ عبد الله بن عامر أو معاوية هذا الطارئ الذي كان يهودياً فلم يُسْلِم إلا كائداً للمسلمين ، لكتب أحدهما أو كلاهما فيه إلى عثمان ، ولبطش به أحدهما أو كلاهما .
وأضاف طه حسين : أن ابن سبأ عند البلاذري ليس ابن السوداء كما ذكروه ، بل عبد الله بن وهب الهمداني ، ولم يصف ابن سبأ بأنه ابن السوداء ، بل ذكره مرة في أمر صغير . وقال : وأقل ما يدل عليه إعراض المؤرخين عن السبئية وعن ابن السوداء في حرب صفين ، أن أمر السبئية وصاحبهم ابن السوداء إنما كان متكلفاً منحولاً ، وقد اخترع بأخرة حين كان الجدال بين الشيعة وغيرهم من الفرق الإسلامية ، أراد خصوم الشيعة أن يدخلوا في أصول هذا المذهب عنصراً يهودياً ، إمعاناً في الكيد لهم والنيل منهم ، ولوقد كان أمر ابن السوداء مستنداً إلى أساس من الحق والتاريخ الصحيح ، لكان من الطبيعي أن يظهرأثره وكيده في هذه الحرب المعقدة المعضلة التي كانت بصفين ، ولكان من الطبيعي أن يظهر أثره حين اختلف أصحاب علي في أمر الحكومة ، ولكان من الطبيعي بنوع خاص أن يظهر أثره في تكوين هذا الحزب