سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤٣٦
فأجابه ابن تيمية بقوله ( منهاج السنة / ٣١٦ ) : ( وأما الحديث الذي رواه وهو قوله لها : تقاتلين علياً وأنت ظالمة له ، فهذا لا يعرف في شئ من كتب العلم المعتمدة ، ولا له إسناد معروف ، وهو بالموضوعات المكذوبات أشبه منه بالأحاديث الصحيحة بل هو كذب قطعاً فإن عائشة لم تقاتل ولم تخرج لقتال ، وإنما خرجت لقصد الإصلاح بين المسلمين ، وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين ، ثم تبين لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى ، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبل خمارها ! وهكذا عامة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال ، فندم طلحة والزبير وعلي رضي الله عنهم أجمعين ، ولم يكن يوم الجمل لهؤلاء قصد في الاقتتال ، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم ، فإنه لما تراسل علي وطلحة والزبير وقصدوا الاتفاق على المصلحة ، وأنهم إذا تمكنوا طلبوا قتلة عثمان أهل الفتنة ، وكان علي غير راض بقتل عثمان ولا معيناً عليه ، كما كان يحلف فيقول : والله ما قتلت عثمان ولامالأت على قتله ، وهو الصادق البار في يمينه ، فخشي القتلة أن يتفق علي معهم على إمساك القتلة ، فحملوا على عسكرطلحة والزبير ، فظن طلحة والزبير أن علياً حمل عليهم ، فحملوا دفعاً عن أنفسهم ، فظن علي أنهم حملوا عليه ، فحمل دفعاً عن نفسه ، فوقعت الفتنة بغير اختيارهم ، وعائشة رضي الله عنها راكبة لا قاتلت ، ولا أمرت بالقتال ! هكذا ذكره غير واحد من
أهل المعرفة بالأخبار !
وأما قوله : وخالفت أمر الله في قوله تعالى : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاتَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الآولَى . فهي رضي الله عنها لم تتبرج تبرج الجاهلية الأولى . والأمر بالاستقرار في البيوت لا ينافي الخروج لمصلحة مأمور بها ، كما لو خرجت للحج والعمرة ، أو خرجت مع زوجها في سفرة ، فإن هذه الآية قد نزلت في حياةالنبي ( ( ٦ ) ) وقد سافر بهن بعد ذلك ، كما سافر في حجة الوداع بعائشة وغيرها ، وأرسلها مع عبد الرحمن أخيها فأردفها خلفه وأعمرها من التنعيم ، وحجة الوداع كانت قبل وفاة النبي ( ( ٦ ) ) بأقل من ثلاثة أشهر بعد نزول هذه الآية ، ولهذا كان أزواج النبي يحججن كما كن يحججن معه . وإذا كان سفرهن لمصلحة جائزاً ، فعائشة اعتقدت أن ذلك السفر مصلحة للمسلمين ، فتأولت في ذلك ) .