سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤٢٨
تخلف ، إلا من حجة أو علة ، فلا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً . فلما كان في اليوم الذي اجتمعوا فيه ، خرج فصلى في الناس الغداة في المسجد الجامع ، فلما قضى صلاته قام فأسند ظهره إلى حائط القبلة ، عن يمين المصلي فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، وصلى على النبي ( ( ٦ ) ) واستغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ، ثم قال : ( كأني أنظر إلى قريتكم هذه وقد طبقها الماء حتى ما يرى منها إلا شُرف المسجد كأنه جؤجؤ طير في لجة بحر ! فقام إليه الأحنف بن قيس فقال : يا أمير المؤمنين ومتى يكون ذلك ؟ قال : يا أبا بحر إنك لن تدرك ذلك الزمان وإن بينك وبينه لقروناً ، ولكن ليبلغ الشاهد منكم الغائب عنكم لكي يبلغوا إخوانهم إذا هم رأوا البصرة قد تحولت أخصاصها دوراً وآجامها قصوراً ، فالهرب الهرب فإنه لا بصيرة لكم يومئذ . ثم التفت عن يمينه فقال : كم بينكم وبين الأبلة . . بنحو ما تقدم . ثم قال : يقتل في ذلك الموضع من أمتي سبعون ألفاً شهيدهم يومئذ بمنزلة شهداء بدر ! فقال له المنذر : يا أمير المؤمنين ومن يقتلهم فداك أبي وأمي ؟ قال : يقتلهم إخوان الجن وهم جيل كأنهم الشياطين ، سود ألوانهم منتنة أرواحهم شديد كلبهم قليل سلبهم ، طوبى لمن قتلهم وطوبى لمن قتلوه ، ينفر لجهادهم في ذلك الزمان قوم هم أذلة عند المتكبرين ، من أهل ذلك الزمان ، مجهولون في الأرض معروفون في السماء ، تبكي السماء عليهم وسكانها والأرض وسكانها ، ثم هملت عيناه بالبكاء ، ثم قال : ويحك يا بصرة من جيش لا رهج له ولا حس !
قال له المنذر : يا أمير المؤمنين وما الذي يصيبهم من قبل الغرق مما ذكرت ، وما الويح ، وما الويل ؟ فقال : هما بابان ، فالويح باب الرحمة والويل باب العذاب ، يا ابن الجارود نعم ، ثارات عظيمة ، منها عصبة يقتل بعضها بعضاً ، ومنها فتنة تكون بها خراب منازل ، وخراب ديار ، وانتهاك أموال ، وقتل رجال ، وسبي نساء ، يذبحن ذبحاً ، يا ويل أمرهن حديث عجب . .
منها : أن يستحلّ بها الدجال الأكبرالأعور الممسوح العين اليمنى والأخرى كأنها ممزوجة بالدم ، لكأنها في الحمرة علقة ، تأتي الحدقة كهيئة حبة العنب الطافية على الماء ، فيتبعه من أهلها عدة من قتل بالأبلَّة من الشهداء ، أناجيلهم في صدورهم ، يقتل من