سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤١٩
يا أحنف ، كأني به وقد سار بالجيش الذي لا يكون له غبار ولا لجب ، ولا قعقعة لجم ، ولا حمحمة خيل ، يثيرون الأرض بأقدامهم كأنها أقدام النعام . ثم التفت ( ٧ ) عن يمينه فقال : كم بينكم وبين الأبلة ؟ . فأجابه المنذر بن الجارود : فداك أبي وأمي ، أربعة فراسخ . فقال ( ٧ ) : صدقت . فوالذي بعث محمداً ( ( ٨ ) ) وأكرمه بالنبوة ، وخصه بالرسالة ، وعجل بروحه إلى الجنة ، لقد سمعت منه كما تسمعون مني ، أن قال لي : يا علي ، تفتح أرض يقال لها البصرة ، أقوم الأرضين قبلة ، قبلتهم على المقام حيث يقوم الإمام بمكة ، وقارؤها أقرأ الناس ، وعابدها أعبد الناس ، وزاهدها أزهد الناس ، وعالمها أعلم الناس ، ومتصدقها أكرم الناس صدقة ، وتاجرها أعظم الناس تجارة وأصدقهم في تجارته ، وغنيها أكثر الناس بذلاً وتواضعاً ، وشريفها أحسن الناس خلقاً . وهم أكرم الناس جواراً ، وأقلهم تكلفاً لما لا يعنيهم ، وأحرصهم على الصلاة في جماعة . ثمرهم أكثر الثمار ، وأموالهم أكثر الأموال ، وصغارهم أكيس الأولاد ، ونساؤهم أقنع النساء ، وأحسنهن تبعلاً .
منها إلى قرية يقال لها الأبُلَّة أربعة فراسخ . ويستشهد في التي تسمى الأبلة عند مسجد جامعها وموضع عشورها من أمتي أربعون ألفاً . الشهيد منهم يومئذ كالشهيد معي يوم بدر .
فقال له المنذر : يا أمير المؤمنين ، ومن يقتلهم فداك أبي وأمي ؟ فقال ( ٧ ) : يقتلهم إخوان الجن ، وهم قوم كأنهم الشياطين ، سودٌ ألوانهم ، منتنةٌ أرياحهم ، شديد كلبهم ، قليل سلبهم ، طوبى لمن قتلهم ، وطوبى لمن قتلوه .
[ كأني أراهم قوماً كأن وجوههم المجان المطرقة ، يلبسون السرق والديباج ، ويعتقبون الخيل العتاق . ويكون هناك استحرار قتل ، حتى يمشي المجروح على المقتول ، ويكون المفلت أقل من المأسور ] .
فتن كقطع الليل المظلم ، لا تقوم لها قائمة ، ولا ترد لها راية ، تأتيكم مزمومة مرحولة ، يحفزها قائدها ، ويجهدها راكبها . يجاهدهم في الله قوم أذلة عند